أيمن الظواهري و القاعدة عينهم على مصر

في اجاباته على أسئلة الجمهور مؤخرا اختار الدكتورأيمن الظواهري أن يجعل أكثر من ثلث الإجابات عن مصر, ثم احتوى خطابه الصوتي الذي صدر منذ أيام بمناسبة مرور خمس أعوام على الغزو الأمريكي للعراق على نحو 1700 كلمة خص مصر و أوضاعها (وربطها بسائر أوضاع العالم الإسلامي و المخطط الأمريكي) منها 1100 كلمة بينما الباقي كان عن العراق, فلماذا الإهتمام الزائد بمصر في خطاب المنظر الأول للقاعدة؟؟لعلنا نجد مفتاح ذلك عندما نتأمل معا كلام الظواهري مرة أخرى في اجاباته على أسئلة الجمهور فيما أطلق عليه الإعلاميون المؤتمر الصحفي للظواهري حيث قال اجابة على أحد الأسئلة:" أولاً: التغيير في مصر يمكن أن ينجح إذا راعى العاملون له سنن التاريخ وطبائع الشعوب، وحرصوا على توفير مقوماته، وانتهاز فرصه، ومن أهم مقوماته وجود القاعدة الآمنة وحشد التأييد الشعبي". وهكذا اعتبر الدكتور أيمن الظواهري أن حشد التأييد الجماهيري من أهم مقومات نجاح التغيير من وجهة نظره و حسب تعبيره الحرفي.ثم يستطرد شارحا تصوره عن كيفية حشد الجماهير فيقول: "وأهم قضيةٍ يحتشد حولها العرب والمسلمون هي قتال اليهود والصليبيين الغزاة لديار المسلمين، وقد فصلت هذا الأمر في كتابي (فرسانٍ تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم)، وفي مقدمة رسالة (التبرئة) والفصل الثامن عشر من الباب الثاني منها، وبينت فيها أن الحركة الجهادية المصرية لم يهزمْها النظام المصري، وإنما أضرت بها المطاردة الأميركية العالمية، ومن هنا نشأ الاجتهاد الحالي بتوجيه الضربات لرأس الكفر أمريكا وحليفاتها.أما بوليسية الدولة وشدة القمع فقد تؤخر التغيير، ولكنها لا تستطيع أن تمنعه، فإن التغيير قادمٌ -بإذن الله- لا محالة، فهذا النظام الفاسد العفن لا يمكن أن يستمر، والإمبراطورية الشيوعية في روسيا ومستعمراتها وحليفاتها سقطت رغم بوليسيتها وقمعها، اللذين لم يعرفْ التاريخ لهما مثيلاً، ولكن سنن التاريخ حكمت عليها بالموت. المهم هو الإعداد للتغيير والصبر عليه والاستعداد لتقبل التضحيات ثم انتهاز الفرص".و في ثنايا اجابته على سؤال عن قيام الشرطة المصرية بتعذيب المواطنين و ما أشيع عن أن الظواهري حض الشباب المسلم على مهاجمة أفراد الشرطة المباشرين للتعذيب, يقول الظواهري: "أنا لم أطالبْ الشباب في مصر بتشكيل مجموعاتٍ في كل حيٍ سكنيٍ تقوم بالقصاص من أي ضابط شرطةٍ متسلطٍ، ولكني طالبت جميع الناس -وليس الشباب فقط- في كل حيٍ وشارعٍ وقريةٍ ومسجدٍ وجامعةٍ ومعهدٍ ونقابةٍ واتحادٍ ومصنعٍ بالتصدي لظلم وفساد الشرطة بكافة الوسائل قياماً بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
فهكذا تظهر متابعة الظواهري اللصيقة للتفاعلات التي يموج بها الشارع السياسي المصري و محاولته أن يتواصل مع الجماهير بكافة فئاتها و يوجهها لتحقيق أهداف تنظيمه.و هكذا يظهر اهتمام الظواهري بدور الجماهير المصرية في التغيير السياسي في إجابة هذا السؤال الأخير أيضا.ثم ننتقل لخطبته الصوتية الأخيرة بمناسبة مرور خمس سنوات على الغزو الأمريكي للعراق و التي خصص معظمها للكلام عن مصر و ليس العراق فيقول:" أما الأمر الثاني الذي أود الحديث عنه فهو؛ عن النهب الاقتصادي الذي تتعرض له أمتنا في مصر وغيرها من بلدان المسلمين. فقد وصل الفساد والسرقة إلى تجويع الناس وحرمانهم من الأقوات الأساسية". ثم يضيف: "وتجويع الناس في مصر وحرمانهم من رغيف العيش ومن الماء في دلتا النيل هو جزءٌ من المخطط الأمريكي الصهيوني، الذي يسعى لإذلال أمتنا والمزيد من تقسيمها.والحرمان من الخبز وسرقة ثروات الأمة وتجويع الناس وتسميم الهواء والتربة ونشر الفشل الكلوي ليست إلا أعراضاً لذلك السرطان، الذي يستشري في أنسجة الأمة.والذين سرقوا الأقوات، ولم يتركوا حتى رغيف الخبز، وصلوا لهذا الحد لأن الأمة لم تتصد لهم التصدي الذي يردعهم، ولو استمرت في تركهم فغداً يبيعون أبناءها.سلموا مصر لإسرائيل، فلم تردعهم الأمة، وأدخلوا القوات الصليبية الأمريكية لمصر، فلم تتصد لهم الأمة، وأعانوا على قتل المسلمين في العراق وأفغانستان، فلم توقفهم الأمة عند حدهم، وتواطئوا على حصار المجاهدين في غزة، فلم يقم في وجههم أحدٌ، وانتهكوا الحرمات في السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة، فلم يقتص منهم أحدٌ، وكلما سكتنا كلما نهشوا في لحومنا، وولغوا في دمائنا.عن أبي بكرٍ الصّدّيق رضي اللّه عنه قال: أيّها النّاس إنّكم تقرءون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. وإنّي سمعت رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- يقول: "إنّ النّاس إذا رأوا الظّالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم اللّه بعقابه".وهؤلاء الذين سرقوا الرغيف والأقوات هم الذين سدوا كل وسائل التغيير السلمي. كما حدث في انتخابات مجلس الشورى ثم المحليات في مصر"و هكذا يظهر أن أيمن الظواهري يتابع جيدا الأحداث السياسة و الإقتصادية و تفاعالاتها الإجتماعية التي تحدث في مصر و يستغل هذه المتابعة في خطابه ليوظفها في توجيه الشعب المصري (حسب ظنه و تفكيره) للوجهة التي يريدها عبر محاولته استقطاب الجماهير نحو الأرضية الفكرية التي يقف عليها أيمن الظواهري نفسه, و في نفس السياق نجده يقول في نفس الخطبة موصفا انتخابات المجالس المحلية في مصر و انتخابات الأردن و اليمن و ما يحدث في تركيا ضد حزب العدالة فيقول:"هو النهج الأمريكي الجديد بعد أن استنفذ تيار التغيير عبر الانتخابات دوره، واستغله الأمريكان لصرف الأمة عن الجهاد والمقاومة الجادة ضد أعدائها الداخليين والخارجيين..... انتقلوا للمنهج الحالي؛ منهج الصحوات في العراق والتعديلات الدستورية والسيطرة التامة على الانتخابات ووثيقة الترشيد في مصر، منهج فرض الواقع المذل المهين الفاسد على الأمة بالقهر والتزوير والبطش والكذب.ثم إمعاناً في التضليل يصدر البيت الأبيض -راعي الحريات في الدنيا- تصريحاً بعد انتخابات المحليات المصرية، يعرب فيه عن قلقه لتعرض ناشطي المعارضة ومرشحيها للمضايقات من قبل الحكومة! الحكومة التي يدعمها الأمريكان، ويؤيدونها ويمدونها بالأموال والإعانات وأدوات التعذيب.هذا الدجل الأمريكي لم يعد ينطلي على أحدٍ".ثم ينتقل أيمن الظواهري بعد ذلك إلى رسم الطريق الذي يريد من الجماهير أن تسير فيه لتحقيق أهداف الإصلاح حسب وجهة نظره فيقول:" والمطلوب من المسلم أن يعمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".المطلوب من الجميع أن يتحركوا بكل ما يستطيعون بالقتال والبيان والتظاهر والإضراب والاعتصام، وألا نترك سبيلاً لتغيير هذا الواقع الفاسد إلا ونسلكه، فلن ننتزع حقوقنا إلا بأيدينا، وليس بالتوسل ولا التسول ولا بالانتخابات المزورة.وسيسعى ذئاب الحكم عملاء الصليبيين واليهود (و الكلام ما زال للظواهري) لقمع التحركات الشعبية بكل ما يستطيعون، كما حدث في المحلة الكبرى، ولكن مع استمرار الصمود والتضحيات سينهزمون بإذن الله، ولا بد من الصبر والمثابرة، فإن الحقوق تنتزع ولا توهب.على العمال والموظفين والطلاب أن ينقلوا غضبهم للشارع، وعليهم أن يجعلوا المساجد والمصانع والجامعات والمعاهد والثانويات بؤراً لدعم الجهاد والمقاومة.المطلوب من الجميع أن يتحركوا، لإن المعركة ليست معركة جماعةٍ أو تنظيمٍ، ولكنها معركة الأمة كلها، يجب أن تتكاتف الأمة المسلمة بمجاهديها ورجالها ونسائها وأطفالها وشيوخها وعلمائها ومفكريها وقياداتها وجماهيرها".و هكذا تتضح الأفكار الجديدة التي روج لها الظواهري في كلامه و هي أفكار جديدة على أيمن الظواهري و قادة الجهاد المصري و القاعدة على حد سواء فهي جديدة على الظواهري و الجهاد المصري لأنهم لم يكونوا يؤمنون في الماضي بالتحركات الجماهيرية و لا بالنضال بالأساليب السلمية من أجل تحقيق أهدافهم بل كانوا لا يؤمنون إلا بشئ واحد هو السلاح و الإنقلاب العسكري كوسيلة وحيدة للتغيير, أما مضمون الكلام الأخير هذا فقد خطا خطوة واسعة نحو المزاوجة بين العمل الجماهيري و احتجاجاته السلمية و بين العمل المسلح, أما الجديد على فكر القاعدة فهو الإهتمام بمصر, و لعل البعض يرى أن ذلك الإتجاه الجديد طبيعي مادام أيمن الظواهري المصري هو منظر القاعدة الأول و نائب أميرها العام, و لكن هذا الرأي ينم عن سطحية و تبسيط شديد, لأن أسامة بن لادن كان رأيه في الماضي أنه لا جدوى من العمل في مصر و في كافة الدول الإسلامية ذات الطبيعة الإجتماعية الحديثة حيث لاتوجد سوى روابط الأسر النووية (الأب و الأم و الأبناء) في صورتها الحديثة لإن هذه المجتمعات يسهل قمعها و السيطرة عليها من قبل الحكومات البوليسية من وجهة نظره و كان لا يتعاطف مع العمل الجهادي في الدول التي تتسم حكومتها المركزية بالقوة كمصر, لقد كان أسامة بن لادن يؤمن إيمانا راسخا بأن الخلافة الإسلامية لن تعود إلا عبر القبائل و بالتالي ركز مشروعاته من أجل إقامة الدولة الإسلامية المأمولة في أفكاره على دول مازالت النظم القبلية قائمة فيها كاليمن و السعودية و الصومال و أفغانستان و باكستان و منطقة القوقاز.إذن فالإهتمام بالجماهير و بالإحتجاجات الجماهيرية السلمية جديد على توجهات و فكر كل من أيمن الظواهري و أسامة بن لادن, و لعل متابعة أيمن الظواهري الدقيقة للأحداث في مصر أغرته بأن يطمح في أن يحل أنصاره محل الإخوان المسلمين في التحركات الجماهيرية بعدما رفض الإخوان الإشتراك في اضراب 6 ابريل 2008م و من بعده اضراب 4 مايو 2008م, و لكن هل يفلح أنصار الظواهري في مصر على قلة عددهم في فعل هذا؟؟ أو حتى هل يقتنعوا بالقيام بدور احتجاجي سلمي و هم الذين تربوا على أنه لاحل سوي بالسلاح؟؟و لكن تبقى نقطة هامة و هي نقطة ضعف خطيرة في التوجه الجديد عند أيمن الظواهري ألا و هي مزاوجته بين النضال السلمي و العمل المسلح, حيث أن العمل المسلح من شأنه أن يجهض أي احتجاجات سلمية لأنه سيعطي الحكومة الديكتاتورية ذريعة للبطش بالمناضلين و قمعهم بقسوة بحجة أنهم ليسوا محتجين بل هم ارهابيون, فياليت الدكتور أيمن الظواهري ينتبه لهذا الخلل في استراتيجيته الجديدة و يخطو خطوة أخرى من التطور في فكره و لا يورط جماهير الأمة فيما يعطي ذريعة للديكتاتورية البوليسية لقمعهم و التنكيل بهم.

عبدالمنعم منيب
هذا الموضوع نشر في جريدة الدستور و هو في المدونة القديمة2008-04-30


مواضيع متعلقة:


تعليقات