في بَيْتِنَا مراهقٌ... مشكلات وحلول

الشباب هم المستقبل، ومن ثمَّ فإن أي أسرة بها شباب تنظر إليهم على أنهم يمثلون مستقبلها الخاص, وأي مشكلات تَعْتَرِي تنشئة هؤلاء الشباب تعكر صفو الأسرة كلها، وتقلقها على مستقبلها الذي تعقد آمالها عليه.
ويمر الإنسان في مراحل النمو المختلفة بالكثير من التغيرات النفسية والجسمانية، بداية من مرحلة الطفولة، مرورًا بمرحلة المراهقة التي تصل به إلى مرحلة سن الرشد. ولكل مرحلة من هذه المراحل مشكلاتها التي تؤرِّق بال الأسَر، خاصة الأسر المسلمة التي تأمل أن ينشأ شبابها على قدر مناسب من الخلُق الطيب والالتزام بجانب التوازن النفسي والنجاح العلمي والعملي.
ومن أعقد مراحل التنشئة مرحلة المراهقة؛ ربما لأنها فترة انتقالية يَتُوقُ المراهق خلالها إلى الاستقلال عن أسرته، ويتراوح سن المراهَقة غالبًا بين الثانية عشرة ونهاية الثامنة عشرة.
ومن أهم مشاكل المراهقة حاجة المراهق للتحرر من قيود الأسرة؛ بسبب رغبته في تحقيق الاستقلال الذاتي, وهذه المشكلة هي السبب الرئيس في معظم الصراعات التي تحدث بين المراهق وأسرته. ومن أبرز أمثلة هذه الصراعات الصراعُ حول حرية اختيار الأصدقاء، وطريقة صرف النقود أو المصروف، ومواعيد الرجوع إلى المنزل، وطريقة المذاكرة، وطريقة اختيار الملابس، وقص الشعر، واستعمال سيارة الأسرة في سن مبكرة وبدون وجود ترخيص القيادة، ونحو ذلك من الأمور.
إن كلاً من الأسرة والأبناء يجب أن يعترفوا بوجود هذه المشاكل الطبيعية؛ حتى يستطيع الجميع التكيُّف معها، وبذل الجهد المناسب حتى يتم تجنُّب المشكلات، وتنجح الأسرة في تنشئة شبابها على النحو الذي تطمح إليه.
وتشير الكثير من الدراسات والبحوث التي أجريت حول مشكلات المراهَقة ومعاناة الشباب أنَّ أكثرهم يعانون من فجوة الأجيال بين ما يقومون به من أعمال وبين توقُّعات آبائهم فيما يجب أن يمارسوه فعلاً بما يتفق مع معاييرهم, والفجوة بين الأجيال هذه عادة ما تتسع تدريجيًّا ويزداد اتساعها يومًا بعد يوم.
كما تلاحظ الدراسات أنَّ 95% من الشباب يعانون من مشكلات بالغة، يواجهونها عند محاولتهم عبور فجوة الأجيال التي تفصل بين أفكارهم وأفكار آبائهم. وتدل الدراسات أيضًا على أن أبرز ثلاث مشاكل يعاني منها الشباب في نطاق الأسرة (مرتبة حسب درجة معاناتهم منها) هي:
- صعوبة مناقشة مشكلاتهم مع أولياء أمورهم.
- صعوبة إخبار أولياء أمورهم بما يفعلونه.
- وجود تباعد كبير بين أفكارهم وأفكار أولياء أمورهم.
وينبغي أن يلجأ أولياء الأمور لحل هذه المشكلات الثلاث كمفتاح لحل بقية المشاكل التي تكتنف حياة المراهق. وأول أمر جديرٍ بالاهتمام في هذا الصدد هو خلْقُ جسر التواصل الفكري والوجداني بين أولياء الأمور والمراهق، مهما كان شأن التباعد الفكري بين المراهق وبين أولياء أمره, مع ملاحظة أن هذا الجسر من التواصل الفكري والوجداني لو لم يتم خلقه فإن المراهق سيلجأ إلى جماعة الرفاق الذين يمكنه أن يبُثَّ شكاواه وهمومه إليهم، ويتلقى منهم اقتراحات الحلول، كما يشبع بذلك حاجاته التي عجزت الأسرة عن إشباعها، وعلى رأسها حاجة الحصول على من يُصغي إلى همومه ومشكلاته. صحيح أن المراهق يحتاج إلى جماعة الرفاق على كل حال، سواء كان هناك تواصل جيد بينه وبين أسرته أم لا، ولكن هناك فرق بين أن يكون دور جماعة الرفاق هذه ثانوي وأقرب للدور الترفيهي، وبين أن يكون دورها محوريًّا وبديلاً عن دور الأسرة، وتكون لها الكلمة الفصل في تحديد معايير واتجاهات المراهق.
إنَّ خلق جسر للتواصل الفكري والوجداني مع المراهق من قِبَل أسرته يعتمد على معاملته في كثير من الأحيان على أنه صديق، والإصغاء إليه جيدًا، وتشجيعه على الإفضاء لولي أمره بهمومه، وترسيخ علاقة من الثقة بين المراهق وأسرته بما يخدم إنشاء واستمرار جسر التواصل والتفاهم الفكري والوجداني بين المراهق وأسرته.
كما يجب على الأسرة أن تتجنب الخطأ في تفسير خصائص نمو المراهق العضوي والانفعالي والاجتماعي، ويجب ألا يلجأ أفراد الأسرة إلى أساليبَ غيرِ تربوية في رعاية المراهق الذي ينشأ بينهم؛ مثل اللجوء إلى النقد واللوم، أو التوبيخ، أو التهديد والوعيد، بسبب سلوكياته التي تبدر منه ولا ترضيهم، دون أن يحاول أيٌّ منهم مساعدته على تعديلها أو تبديلها بما هو أفضلُ منها، مما يتسبب في النيل من كرامته وجرح مشاعره وطمس معالم هُويته، وحينئذ يجد المراهق سلوكياته دائمًا مرفوضة في رؤية الآباء، بينما يجد سلوكيات أقرانه المماثلة لها مقبولة في رؤية الرفقاء، مما يجعله يميل إليهم من أجل اكتساب الاعتراف بذاته في إطار جماعتهم, ولا شك أن من أساليب التربية الإسلامية الوعظَ الطيب والإرشاد المؤثر بالكلمة الصادقة التي تخاطب الوجدان مباشرة: {اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} على أن يكون وليُّ الأمر قدوة حسنة في سلوكه، والعقاب ينبغي أن يكون معنويًّا ليس بدنيًّا بالصورة التي تُلحق الضرر البدني أو النفسي البالغ بالمراهق.
ومن أساليب علاج مشاكل المراهَقة؛ الأسلوب الوقائي الذي يتمثَّل في الابتعاد بالمراهق عن الملل وعن الانغماس في أحلام اليقظة والانطواء على النفس وطغيان الدوافع الجنسية الغريزية, ويتم ذلك عبر توجيهه لتوظيف طاقاته ووَقْتِه في أنشطة نافعة له وللمجتمع، تستغرق هذه الطاقات وذلك الفراغ، كما أنَّ هذه الأنشطة ستُنْتِج غالبًا إشباعا لحاجة المراهق للشعور بالتقدير الاجتماعي، وكذلك حاجته للشعور بالانتماء إلى المجتمع.
ولابد من توجيه المراهق وإقناعه بأهمية التحلي بحسن اختيار الأصدقاء؛ لأن ذلك يعتبر عاملاً هامًا من عوامل الحفاظ على طاقة المراهق وقِيَمِهِ، وذلك واضح في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: «المَرْءُ على دين خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُر أحدُكم من يُخَالِل"، وقوله أيضًا صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما مَثَلُ الجليسِ الصالح وجليسِ السُّوء كحامل المِسْكِ ونافخ الْكِير، حاملُ المسك إما أن يُحْذِيَكَ، وإما أن تَبْتَاعَ منه، وإما أن تجِدَ منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إما أن يحرق ثيابَك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».
ودائمًا سيكون الوازعُ الديني أو الإيماني هو أهم عامل لتقوية الدافع عند المراهق للقيام بكل هذه الأدوار بفاعلية، والالتزامُ بالقيم والأخلاق والسلوكيات الحسنة, فالمراهق قد يتشكك في الآراء الشخصية لولي أمره أو أسرته، لكنه لو تم تَنْشِئَتُهُ منذ الطفولة على الخوف من الله والعمل لكسب رضاه، فإنه سيسهُل إقناعُه بأي قيمة عُلْيَا أو سلوكٍ قويم؛ عبر رَبْطِ ذلك بطاعة الله وكسب رضاه والبُعد عن غضبه وسَخَطِه تعالى.
ولا شك أنَّ علاج مشكلات المراهقة يهدِف في النهاية إلى علاج نفسي جماعي، من أجل تحقيق التوافق الاجتماعي بين المراهقين، حيث تكون أساليب المناقشة والمعاملة دعوةً صريحة للتعلم وازدياد الثقة بالنفس للوصول إلى الصحة النفسية السليمة.
إن مرحلة المراهقة ليست خطيرة، وليست بالأمر الصعب في نظر الإسلام، والقدوةُ الحسنة أهمُّ عامل من عوامل التربية السليمة، وإذا صَلَحَتْ أمور الأسرة صَلَحَ أنْ تُصبح قدوةً حسنة لمن فيها من المراهقين والأطفال على حدٍّ سواء, وإذا صلحت الأسرة بأطفالها ومراهقيها صلح المجتمع كلُّه, وصلح مستقبلُ هذا المجتمع.
عبد المنعم منيب
كتبت هذا الموضوع لموقع الاسلام اليوم و نشر به اليوم.

تعليقات