دور السجون الجديدة في التكيل بالمعتقلين .. نفسية عملاء أمن الدولة .. المناقشات الفكرية في المعتقلات ...من مشاهد أيام الإعتقال (11)


ثلاثة مشاهد نريد أن نتنقل بالقارئ بينها في هذه الحلقة:
المشهد الأول- الأجواء الداخلية للسجون الجديدة:
سببت الضغوط المختلفة على أسر المعتقلين و على زيارة المعتقلين معاناة و ضغوطا نفسية على المعتقلين داخل السجن, و لكن لم تكن هذه هي الأسباب الوحيدة لمعاناة المعتقلين بل كانت هناك أسباب أخرى عديدة سببت معاناة للمعتقلين في السجون التى صارت كلها تقريبا سجونا جديدة بعد عام 1993م, منها أن ابتعاد هذه السجون عن العمران و عن موطن أسر المعتقلين أشعر الكثيرين من المعتقلين بالوحشة و شئ من الضعف, كما كانت هذه السجون ذات طقس سئ جدا فسجون الواحات (الوادى الجديد) و الفيوم و وادى النطرون (1) و وادى النطرون (2) كلها في مناطق صحراوية شديدة الحرارة و ضاعف من حرارة السجن سوء التهوية في العنابر و الزنازين حيث حرص مصمم كل السجون الجديدة على تضييق كل منافذ التهوية في كل الزنازين, علما أن السجون الجديدة كلها مبنية على تصميم واحد مع إختلافات بسيطة جدا لا تذكر, أما سجون ليمان أبى زعبل و شديد الحراسة بأبى زعبل و المرج و دمنهور فجمعت بين شدة الحرارة بسبب سوء التهوية و شدة الرطوبة بسبب الطبيعة الزراعية للمنطقة الواقع فيها كل سجن من هذه السجون.
و العجيب أن كلها أو أغلبها كان باردا جدا شتاءا لا أتذكر الآن لماذا؟؟ هل بسبب الجوع الذى كنا نعانيه؟؟ أم بسبب ندرة وخفة الملابس التى كانت متاحة لنا حينئذ؟؟ أم كان بسبب قلة و رقة الأغطية و المفروشات التى سمحوا لنا بها؟؟ لا أستطيع أن أحدد ذلك بدقة الآن لكن أستطيع أن أؤكد أن كل هذا قد حدث بغض النظر عن التفاصيل الدقيقة.
كما كانت كل السجون الجديدة ذات فناء سئ من جهة إمكانية التريض فيه و من جهة أن أرضها من الخرسانة المسلحة و كنا جميعا حفاة لسنوات طويلة, كما كان ذلك الفناء ضيقا و مسقوفا بشبكة ضيقة نسبيا من السلك تقلل أحيانا من كمية الشمس المتسربة لهذا الفناء, مما يقلل الاستفادة من هذا الفناء في ممارسة رياضة ما, لكن على العموم لم تكن هذه هى مشاكل هذا الفناء الأساسية و إنما كانت المشكلة الأساسية أننا لم يكن مسموحا لنا أن نخرج من الزنازين إلى هذا الفناء إلا نادرا في السنوات الأولى, و كان الخروج لهذا الفناء هو وسيلتنا الوحيدة لرؤية الشمس.
و هكذا كانت مرافق كل السجون الجديدة أشد قسوة من السجون التى بناها الإنجليز أيام الاحتلال, كما أن السجون القديمة التى بناها الاحتلال الإنجليزي كليمان طره و ليمان أبى زعبل و غيرها قد تم بناء عنابر جديدة بها بنفس المواصفات القاسية التى في السجون الجديدة بل أقسى خلال منتصف الثمانينات من القرن العشرين, و لكن لماذا كانت هذه المبانى ذات تكلفة عالية؟؟
طبعا للسبب المعروف للجميع من ارتفاع تكلفة المبانى الحكومية للأسباب الإدارية المعروفة من ناحية, و من ناحية أخرى تم تصميم هذه المبانى بمواصفات تتيح قمع المعتقلين بأقل عدد من الجنود, فالعنبر الذى به عشرون زنزانة بكل زنزانة ثلاثون معتقل يديره و يسطيرعليه جندى واحد, لأنه مقسم لأقسام أربعة لكل منها عدة أبواب تفصل بين باب الزنزانة و باب العنبر الخارجى و الذى يجتاز ذلك كله يظل مسجونا بين جدران السجن العالية أيضا لوجود نطاقات أخرى من الأبواب و الأسوار, و كان المعتقلون يعملون مسابقات حول من يتمكن من عد الأبواب التى تفصل المعتقل في زنزانته عن باب السجن الخارجى و كان هذا سؤالا صعبا يفشل الكثيرون في الإجابة عليه لكثرة الأبواب.
يضاف لذلك أن المعاناة و العقد التى أصابت بعض العاملين بهذه السجون لبعدها عن العمران قد انعكست على سلوكهم في معاملة المعتقلين, فأكثرهم تعامل مع المعتقلين بقسوة كأن المعتقلين هم السبب في نقله لهذا المكان, و قليل منهم تعامل مع المعتقلين بشفقة باعتبارهم شركاءه في نفس المحنة.
المشهد الثانى- التعاون ونفسية المتعاونين:
فى مثل هذه الظروف التى ذكرناها في كل المقالات السابقة كانت أراء المعتقلين متعددة إزاء تقييم الموقف الذى نعيشه و كيفية الخروج منه, فقد هناك موقف التيارات الفكرية التي تمثل الحركات الإسلامية الموجودة بالساحة المصرية, و هذه المواقف معروفة و هى ذات طبيعة سياسية و لها حديث أخر ليس هنا مجاله, لكن الذي يعنينا هنا هو ذكر المواقف العملية و ما لها من أبعاد نفسية و اجتماعية, و ذلك لأنى لاحظت أن المواقف العملية هذه ترتبط بالطبيعة النفسية و الإجتماعية للأشخاص أكثر من إرتباطها بانتمائهم الفكرى أو التنظيمى, و كان ذلك على النحو التالي:
افترق الناس أربع فرق إزاء ما حدث من سوء معاملة و تعذيب في السجون و اعتقال لأجل غير محدد رغم قرارات القضاء بالإفراج النهائى, و ذلك بدءا من ما عرف باسم أحداث سجن أبى زعبل الصناعى في صيف 1993م و حتى عام 2004م عندما بدأت أحوال السجون تتحسن نسبيا بشكل تفاوت من سجن لأخر, و حتى الآن.
فالفريق الأول: رأى أن ما يحدث هو محاولة من الشرطة لتعويدنا على نمط محدد من المعاملة السيئة بحيث لو تقبلناها فإنهم يكونوا قد نجحوا معنا و تترسخ لديهم هذه الأساليب في المعاملة مع أى معتقل إسلامى دائما و أبدا أما لو رفضنا هذا النمط من المعاملة و قاومناه و عصينا تعليماتهم بهذا الشأن فإن الأمن سيشعر بالفشل معنا و سيتراجع عن التعذيب و عن هذه المعاملة السيئة و ما نحوهما, و هذا الفريق يرى أن المعتقلين الإسلاميين يعبرون عن تيارات سياسية مصرية ناجحة و منتصرة, وبالتالي فهم يتعاملون من هذا المنطلق, و يصفون معظم من يخالفهم في هذا الرأى بأنه منهزم نفسيا, أو جاهل بالواقع و بالسياسة بل و بالإسلام.
أما الفريق الثانى: فرأيه قريب من رأى الفريق الأول بدرجة ما لكنه يرى أن الضغوط ينبغى أن تكون عبر المحاميين و الصحافة و منظمات حقوق الإنسان و نحو ذلك, وليس عبر المعتقلين أنفسهم لكنهم لم يكونوا يمانعون في ممارسة المعتقلين لشئ من العصيان كما يرى الفريق الأول لكن بأسلوب جس النبض بحيث لو أتت بنتيجة فورية مناسبة يتم التمادى فيها أما إن وجدوا عواقب سيئة فإنهم يتراجعون عن عملية العصيان هذه.
و رأى فريق ثالث: أنه ينبغى التعامل بحذر مع ما يجرى بحيث يتم جمع المعلومات و تحليلها بشأن ما جرى و يجرى داخل و خارج السجن لمعرفة أبعاد الهجمة الشرسة التى شنتها الشرطة على المعتقلين في السجون و معرفة ما هى أجدى الطرق لمواجهتها و من القوى السياسية و الإعلامية و الحقوقية التى يمكن أن تساند مواقف المعتقلين في هذه المحنة و بعد ذلك يتحدد ما العمل الذى يتوجب على المعتقلين عمله, أما قبل ذلك فإنهم كانوا حذرين بشأن كيفية التعامل مع ما يجرى معهم مترددين بين العصيان و الاضرابات و بين الصمت, كما إنهم بعدما عرفوا بغياب أى منظومة حقوقية قوية للدفاع عن المعتقلين كانوا يقولون أنه سيأتى وقت تتغير فيه الأمور و تتغير موازين القوى السياسية و من ثم تتغير السياسة الأمنية.
وكانت هذه الفرق الثلاث ترى أيضا أن ما نحن فيه هو ابتلاء من الله, والله تعالى له فيه حكمة لا نعلمها و يجب الصبر على هذا البلاء حتى يزول.
لكن أغلب الفريق الأول كان يقول أنه لرفع الدرجات كما كان يحدث مع الأنبياء و الصالحين.
أما الباقون فكانوا يقولون أنه ابتلاء كأي ابتلاء إما لرفع الدرجات و إما لتكفير السيئات و كذلك لاختبار صدق الإيمان لقوله تعالى "و نبلوكم بالشر والخير فتنة" وقوله عز وجل "أحسب الناس أن يقولوا أمنا و هم لا يفتنون" ومعلوم أن الفتنة هى الإختبار والتمحيص, و قد قال الرسول صلى الله عليه واله وسلم "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل".
وبالتالى فجميعهم كانوا يرون وجوب الصبر عن ما يجرى حتى يزول, و أن الأمر كله بيد الله و قدرته, و لكن هناك أسباب و الله هو مسبب الأسباب و قادر على تغييرها.
و كانت هذه الفرق الثلاث تمثل القسم الأكبر من المعتقلين, كما كانت كلها ترى أن التيارات الفكرية التى يمثلونها هى على الصواب من حيث العقيدة أو حتى المذهب السياسى و إن رأى كثيرون أنه ربما وقعت أخطاء في الأساليب و ليس في المنطلق أو أصل و حقيقة الفكرة.
و كان يوجد قسم أخر أقل بكثير شأنا مما سبق وأقل أيضا من حيث العدد يرى أن ما يجرى هو دليل على أن الحكومة و أجهزتها الأمنية لها قوة مطلقة لا يمكن أن تلين كما أن لها إرادة مطلقة لا يمكن لأحد أن يغيرها و من ثم فيجب التسليم لها و الخضوع لأمرها دون أدنى نقاش أو أي نوع من المعارضة كما كانوا يرون أن الأمر و النهى كله في يد الحكومة و أجهزتها الأمنية فبيدهم اعتقال من شاءوا أو إطلاق سراح من شاءوا, وهذا القسم هم من تعاملوا مع الأمن فيما أطلق عليه اسم المرشدين, فكانوا عيونا للأمن على بقية زملائهم المعتقلين.
صحيح أن أكثرهم كان يعتقد في قراره نفسه أن الحكومة على باطل و ظلم لكنهم لم يكونوا يجاهرون بذلك أبدا, كما أنهم جميعا كانوا مقتنعين بأن أمر مشكلة الاعتقال كله بيد الأمن وانه لا حل له أبدا إلا بالإذعان التام لرغبات جهاز الأمن, و من هنا جاءت عمالتهم للأمن و تجسسهم على زملائهم بل و إيذائهم لزملائهم بالكذب والباطل من أجل التقرب للأمن.
و مما أثار عجبى أننى وجدت أن هؤلاء العملاء قد تشربت عقولهم بأفكار الأمن فهم يفكرون بنفس أسلوب الأمن و يروجون وجهات نظره في كل شئ لدرجة أن كثيرا منهم كانوا يضعون تقارير للأمن يوضحون فيها سبل إيقاع الإيذاء المعنوى أو المادى بالمعتقلين الإسلاميين لدرجة أن بعضهم وضع مقترحات بإطالة مدة الإعتقال لأن ذلك يؤدى لتفكيك الأفكار حسب رأيهم كما أن بعضهم وضع خططا لكيفية القضاء على الحركة الإسلامية ضمنها القضاء على الحركات الإسلامية التى تعمل من خلال قانون الجمعيات الأهلية مثل أنصار السنة و الجمعية الشرعية.
و مما أثار عجبى أكثر من ذلك إيمانهم الذى لا يتزعزع بأن جميع أوراق اللعبة بيد الأمن و طاعتهم العمياء للأمن رغم مكثهم في السجن لنفس المدد الطويلة التى عشناها.
المشهد الثالث- السجال الفكرى في المعتقلات:
من الطبيعى أن تكثر النقاشات الفكرية في المعتقلات السياسية لكننا نريد هنا أن نعرض طرفا منها لنعطى صورة للقارئ عن أهم القضايا التى دارت حولها النقاشات الفكرية كى تتضح للقراء اهتمامات المعتقلين و مواقفهم الفكرية.
كان من القضايا التى حظيت بقدر كبير و متكرر من النقاش قضية الصراع العربى الإسرائيلي و السلام مع إسرائيل و الحروب العربية التى جرت معها منذ حرب 1948م و مرورا بحروب 1956م و1967م و 1973م و1982م وانتهائا بحرب 2006م مع حزب الله, كما جرت مناقشات و دراسات حول تاريخ و مواقف حزب الله نفسه.
و ارتبط بذلك النقاش حول سبب عدم امتلاك مصر لرادع استراتيجي سواء إزاء إسرائيل أم أمريكا أو أى قوة دولية أو إقليمية أخرى, كما جرى النقاش حول سبل أو إمكانية امتلاك مصر لمثل هذا الرادع أو ما يشبهه.
كما جرى النقاش حول ثورة يوليو 1952م و ما إذا كانت ثورة وطنية أم صناعة أمريكية أم حركتها رغبة الحصول على السلطة لا أكثر و لا أقل, كما جرى النقاش كثيرا حول طبيعة علاقة ثورة يوليو بالإخوان المسلمين.
وجرت نقاشات عديدة و كثيرة و طويلة جدا حول ما إذا كان حكام العالم الثالث عامة و حكام العالم الإسلامى بخاصة عملاء أم وطنيون لكنهم أغبياء جدا و عندهم خلل ما في طريقة تفكيرهم جعلتهم يوصلون أوطانهم إلى ما وصلت إليه من التدهور و التخلف و الخراب؟؟؟
و دافع كثيرون باستماتة عن الرأى القائل بعمالتهم لأمريكا و إسرائيل و الغرب, بينما رأى أخرون أن إضرارهم بشعوبهم ليس بسبب عمالة و إنما بسبب غباء و خلل في طريقة التفكير, وأرجع أخرون الأمر كله إلى شهوة السلطة و جاذبية كرسى الحكم.
كما جرى النقاش عدة مرات حول مسائل اقتصادية عديدة من قبيل حقوق العمال و الأجر العادل و هل الأجر له معايير معينة أم أنه وليد العرض و الطلب
و هل ما نص عليه بعض فقهاء الإسلام من وجوب الأجر العادل هو وليد فقه إسلامي أصيل أم أنه من جراء التأثر بفلاسفة من حضارات غير إسلامية, و كذلك جرت نقاشات عديدة حول القطاع العام و الخصخصة, و هذا كله ارتبط بموضوع الاقتصاد الإسلامي و هل هو اقتصاد سوق حرة مفتوحة لآليات العرض و الطلب أم إنه سوق تخطيط مركزى أم أنه مختلط بين هذا و ذاك أم أنه متميز عن ذلك كله بخصائصه الإسلامية المتميزة؟؟
و من القضايا التى ظلت تثير جدلا واسعا قضية عمليات القاعدة ابتداءا من ضرب سفارات أمريكا فى كينيا و تنزانيا في 1998م و مرورا بأحداث 11سبتمبر 2001م وعمليات أخرى عديدة مثل عمليات مدريد و لندن و الأردن وغيرها.
و لقد كنت على وشك التعافى في مستشفى سجن ليمان طره عندما جرى ضرب السفارتين الأمريكيتين في كينيا و تنزانيا بعد إضرابى عن الطعام بسجن الواحات (الوادى الجديد) لمدة خمسين يوما متواصلة, و استأت جدا من هذه العمليات حينئذ, ودخلت في نقاشات كثيرة مع المعتقلين حول ذلك, و كان أحد قادة الجماعة الإسلامية معى بالمستشفى ولم تنفع مناقشاتى معه بل ظل مصرا على تأييد هذه العمليات بشدة و كان فرحا جدا بها, بينما نجحت نقاشاتى مع بعض قادة الجهاد في تخفيف تأييدهم لها, و كنت وقتها أود كتابة مقال عبارة عن خطاب مفتوح لأيمن الظواهرى أرد فيه على توجهه من واقع كلام سابق له في السبعينات لكن لم يكن مسموحا لى بالكتابة في السجن بل مقابلتى لأسرتي و لابني كان عليها قيود كثيرة جدا في السجن.
و عندما جرى ضرب البرجين في نيويورك في 11سبتمبر 2001م كنت مضربا عن الطعام في سجن الفيوم منذ 10 أغسطس 2001م, و لما وصلتنا الصحف الحكومية في اليوم التالى و كانت قد سمحوا بها للتو كنت مستلقيا في إعياء بسبب الإضراب و سمعت الأخوة يقرأون عناوبن جريدة الأخبار فقلت لهم عارف هذا سيناريو متخيل و ضعوه في صورة مانشيت ليجذبوا القراء لشرائها.
فرد الأخوة: لا, هذه حقائق حدثت فعلا بالأمس.
فقلت لهم: هاتوا الجرائد.
وأخذت الجريدتين كلتاهما معى و قرأتهما اولا قبل الأخوة, ثم جلست مستاءا جدا, و ظهر ذلك في كلامى.
فسألنى الأخوة: معقول أخوة الجهاد أو القاعدة هم الذين عملوا ذلك؟
قلت لهم: هذا أكيد.
قالوا لى كيف تؤكد و أنت جالس معنا و مهما كانت خبرتك فأنت الآن مثلنا لا تصلك أخبار و لا تقابل مصادر للأخبار؟؟
قلت لهم: أحيانا أطمئن لتحليل معين اطمئنانا يجعله كأنه اليقين.
ثم سقت لهم الدلائل التى جعلتنى أتوقع أن القاعدة بمساعدة الجهاد المصرى هى التى نفذت هذه العملية.
ثم دخلنا في نقاش حول صحة هذه العملية أو خطأها.
في البداية كان جميع من بالزنزانة -إلا أنا- يؤيدون العملية بشدة بسبب كراهيتهم للإدارة الأمريكية و كانوا فخورين بتوجيه ضربة لأمريكا التى أذلت و تذل المسلمين كل يوم.
لكننى نجحت في نهاية النقاش في استمالة قلة من الحاضرين لوجهة نظرى الرافضة للعملية, كما نجحت في كسب تعاطف قلة أخرى مع وجهة نظرى و إن لم يؤيدوها بالكلية.
و ظل مؤيدو العملية يطلقون بالليل الأناشيد الإسلامية الحماسية بشكل جماعى ابتهاجا بالعملية.
و العجيب أن أغلب من أيدوا العملية في هذه الزنزانة كانوا من منتسبى الجماعة الإسلامية أو من منتسبى الجهاد الذين كانوا قد كتبوا إقرارات توبة ولم يكن قد تم عزلهم عن بقية المعتقلين حينئذ.
و جاءنى أحد الأخوة بمرجع مهم من مراجع الفقه الإسلامى و طلب منى قراءة باب حدده لي في الكتاب فأغلقت الكتاب و هو بيده قبل أن أقرأ أى شئ منه و قلت له يا أخى كل هذا و غيره قد قرأته من زمن بعيد و أعرفه جيدا لكن حضرتك تفهمه خطأ لأنه يؤيد رأى أنا في معارضة العملية و لا يؤيد رأيك أنت في تأييدها.
و من يومها لم أعول كثيرا في مناقشاتى على الجوانب الفقهية البحته لطول حبال النقاش فيها و إنما كنت أركز على الجوانب الواقعية و السياسة الشرعية.
ولم يكن كل المعتقلين يؤيدون عمليات القاعدة كما قد يظن البعض, بل كان هناك تباين في الأراء و قد تندر بعض المعتقلين على عملية البرجين بإطلاق نكته تقول "باعوا دولة أفغانستان بعمارتين في نيويورك".
وكنت مستاءا و متعجبا من معظم عمليات القاعدة سواء فى المدن الإسلامية أو المدن الأوروبية, و أحد أسباب استيائي عدم شرعية القتل الذى جرى في هذه العمليات, كما كنت أقول للأخوة بشأن العمليات التى تجرى في أوروبا:
"يعنى واحد أوروبى ليس له أى علاقة بالإسلام من قريب أو من بعيد, و يوم ما يعرف شئ ذا أهمية عن الإسلام يكون هذا الشئ الذى عرفه هو أن الإسلام تسبب في قتل أو بتر أو تشويه أحد أقاربه أو أحد أصدقائه؟؟؟"
و أمام أحد الأخوة ذات مرة كنت أعبر عن إستيائى من عملية تفجير لفندق في الأردن فوجدته متعاطفا مع العملية و أذهلنى ذلك ليس لفجاجة الأخطاء الشرعية التى وقعت فيها العملية فقط لكن أيضا لأن هذا الأخ كان حاصلا على ماجستير من إحدى كليات القمة و كان على وشك الحصول على الدكتوراه إلا أن هذا الاعتقال منعه من ذلك, وصورة أى شخص متميز علميا عندى هو أن يكون متميز أيضا في معرفة الحلال و الحرام لأن هذا هو التميز الأهم لارتباط مصيرنا في الأخرة بذلك إما جنة أبدية و إما نار أبدية.
كل ذلك أفزعنى و جعلنى أحتد عليه بأكثر مما في طبيعتى.
قال لى (عن مرتادى الفندق القتلى) : هم قليلو الأدب, و هل يمكث بالفندق حتى الثانية بعد منتصف الليل إلا من بهذه الصفة؟!؟!
قلت له (محتدا): هو فيه شئ في أحكام القتل اسمه ما هو قليل الأدب؟؟
قال لى: أعنى أنهم آكيد كانوا يشربون الخمر أو يزنون و نحو ذلك.
قلت له (بحدة أكثر): و هل يوجد شئ في الشرع يقول القتل بسبب احتمالية شرب الخمر أو احتمالية الزنا؟؟؟
بل الحديث يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: التارك لدينه المفارق للجماعة, و الثيب الزانى, و النفس بالنفس".
و كنت محتدا جدا أثناء النقاش, و سكت هو ربما احتراما لى و إيثارا لعدم إثارة غضبى أكثر من ذلك, علما أنه كان شخصا حسن الخلق, أما أنا فكانت حدتى سببها أننى مدرك لعظم الأضرار التى تصيب االدعوة الإسلامية و تصيب المسلمين بسبب هذه العمليات.
كما كان يغضبنى بشدة أن الذين ينفذون هذه العمليات يحركهم حماس و عواطف شديدة غيرة على الإسلام والمسلمين ولكنها للأسف عارية من الفقه الشرعى الذى وضع معايير محددة تحفظ حرمة الدماء و الأموال و الممِتلكات.


عبدالمنعم منيب
هذا الموضوع فى المدونة القديمة , 2008-01-31 12:40

موضوعات متعلقة:
كيف واجه المعتفلون السياسيون سياسة التعرية و التجويع في سجون مبارك
مبارك حرم المعتقلين السياسيين من الطعام و الهواء و الماء و الدواء الا قليلا
التجارة في المعتقلات السياسية وصل حجمها في بعض الأحيان إلى عدة ملايين لكنها كانت غالبا بمباركة " أمن الدولة "
" الداخلية " منعت العلاج و الرعاية الطبية عن المعتقلين السياسيين أيام مبارك
كيف كان المعتقل السياسي يقضى وقته في سجون الرئيس المخلوع " مبارك " ؟
في مصر ما الفرق بين قانون الطوارئ و تعذيب المواطنين و إهانتهم في السجون و المراكز الأمنية؟؟
خالد سعيد و أمريكا و الاتحاد الأوروبي
المنتحرون في المعتقلات السياسية ... إغتيال أم انتحار؟؟
فلسفة التعذيب .. حراسة الديكتاتورية
الضربات الأمنية أحد أدوات اللعبة السياسية مع الاسلاميين في مصر
التعذيب في مصر قبل و بعد ثورة 25 يناير
عودة زوار الفجر .. أمن الدولة لم يتم حله و لا حاجة
أكثر من ألف معتقل في أحداث الثورة معزولون عن العالم بسجن الوادي الجديد.. وتلميحات بالإفراج عن عبود الزمر خلال ساعات
لماذا انهارت منظومة الدفاع عن حقوق الانسان في مصر؟!
مشاهدات المعتقلين للمجتمع المصرى(1)

تعليقات