أسرار تحالفات الإسلاميين فى انتخابات البرلمان المقبلة

أعضاء حزب النور
أعضاء حزب النور

تدور الأحداث فى مصر وتتلاحق بسرعة شديدة منذ ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن، وستستمر كذلك حتى إشعار آخر، فمصر تكاد أن يصيبها تغير جديد كل ساعة وليس كل يوم، وهذه طبيعة الثورات التاريخية الكبرى.. ورغم ذلك فلكل مجموعة أحداث صغيرة ومتوسطة محطة كبيرة تنظمها كلها.. والآن نحن نعيش فى محطة كبرى اسمها «الانتخابات البرلمانية» بعدما تجاوزنا محطة «مسودة الدستور» وقبلها محطة «الإعلان الدستورى» الذى حصن قرارات الرئيس.. وبجانب ذلك كله لدينا محطة مهمة مستمرة معنا منذ الثورة وحتى إشعار آخر وهى محطة «وضع مصر الاقتصادى» ولكن واضح أن الشعب وقواه الفاعلة ونخبته السياسية «حكومة ومعارضة» يغضون الطرف عنها ويمتنعون عن التفاعل الثورى معها اكتفاء بتركيزهم على التفاعلات السياسية.. وبما أننا منغمسون الآن فى محطة الانتخابات البرلمانية، فإن عقولنا الآن تتطلع إلى الكشف عن مشهدين مقبلين:
الأول: مشهد التحالفات والتربيطات الانتخابية المقبلة لدى الإسلاميين باعتبارهم القوة السياسية الأكبر فى الحياة السياسية المصرية بحسب كل الانتخابات والاستفتاءات التى جرت فى مصر منذ الثورة وحتى الآن.
الثانى: مشهد تركيبة البرلمان المقبل والتحالفات التى ستتشكل بين أجزاء هذه التركيبة.
وهذا المشهد الثانى هو الذى سينقلنا بعد تمامه إلى محطة كبرى جديدة هى «محطة التشكيل الوزارى المقبل» ثم برنامجه الاقتصادى للخروج من أزمتنا الاقتصادية.
لا شك أنه من السذاجة والجهل بطبيعة الحركات الإسلامية عامة والمصرية منها بخاصة الظن بأنهم سيخوضون الانتخابات المقبلة فى قائمة واحدة، خاصة أن من يطلقون على أنفسهم القوى المدنية قد قرروا قرارا شبه نهائى «حتى الآن» أن يخوضوا الانتخابات المقبلة بقوائم متعددة تقل حتى الآن عن ثلاث قوائم تعكس ثلاثة تحالفات.
لو توحدت كل الأحزاب الليبرالية واليسارية ضد الأحزاب الإسلامية لسبب ذلك إحراجا لجميع الأحزاب الإسلامية ولضغط عليهم كل المشايخ والدعاة المستقلين والشباب من أجل التحالف فى قائمة واحدة، ومع ذلك كانت هذه القائمة الواحدة صعبة التحقق جدا، ولكان قادة الإخوان والنور والجماعة الإسلامية سيسعون لإيجاد بديل عن التحالف فى قائمة واحدة يخفف من ضغط المشايخ والدعاة من ناحية ويلبى الميول الأصيلة للاختلاف والصراع السياسى الكامنة عند صناع القرار لديهم بمعنى تفريغ التحالف من مضمونه، لأن الصراع السياسى والتنظيمى المتأصل لدى هذه القوى الإسلامية ليس وليد رغبات شخصية، ولكنه انعكاس لحالة الخلاف فى المناهج السياسية والاقتصادية والتنظيمية والفقهية القائمة بين العديد من فصائل حركة الإسلام السياسى، هذا الاختلاف واسع وعميق بدرجات متفاوتة بتفاوت الجماعات وباختلاف موضوعات الخلاف ومجالاته، ولكن الكثير من خصوم ومنافسى التيار الإسلامى لا يدركون ذلك ولا يقدرون مدى تأثيره فى سير الأحداث.
أيا كان الأمر فإن قوى التيار المدنى أعفت قادة القوى الرئيسة فى الحركة الإسلامية من عناء تشكيل تحالف فارغ المضمون أو تحالف انتخابى جوهره الخلاف، فالإسلاميون غير محرجين الآن من أن يتنافسوا بقوائم انتخابية تصارع بعضها البعض وصاروا اليوم يرفعون شعار أن الشعب يمكنه اختيار الأصلح كتغطية لحجم خلافاتهم الهائل ليس فقط فى السياسة والاقتصاد والفقه ولكن اختلافهم أيضا فى حجم وحدود الطموح السياسى لدى كل منهم.
الإخوان المسلمون يطمحون فى إحكام سيطرتهم على السلطة معتبرين أن حجمهم التنظيمى ونشاطهم الجماهيرى وخبرتهم السياسية تعطيهم الحق فى ذلك، لأن كل الفشل والإخفاق الحالى ليس إلا بسبب عدم سيطرتهم على جميع أدوات السلطة مع قصر المدة حسب وجهة نظرهم، ومن هنا فإن الإخوان المسلمين لا ينوون ولا يحبون أن يضحوا بأى جزء من السلطة من أجل التحالف مع آخرين حتى لو كانوا إسلاميين، لا سيما وأنهم يعلمون أن فاتورة التحالف مع الإسلاميين ستكون باهظة لدرجة أنهم لا يقدرون ولا يحبون أن يتكبدوا تكلفتها.. الإخوان المسلمون عانوا نقدا سريا وخفيا مريرا من قبل أحزاب النور والوسط والبناء والتنمية وجماعات إسلامية أخرى منذ تولى د.مرسى للحكم وحتى الآن.. فكل هذه الجماعات والأحزاب إسلامية لا يرضيها كثيرا من السلوكيات السياسية والاقتصادية للإخوان المسلمين وتخشى هذه القوى من أن هذه السياسات قد تغرق الحركة الإسلامية كلها فى بحر من الفشل السياسى والاقتصادى والكراهية الشعبية، لكن الإخوان المسلمين كانوا دائما يرفضون النصائح بلباقة ويتعللون بأسباب مختلفة.. كل هذه القوى الإسلامية وجهت خطابا صريحا للإخوان المسلمين فى مناسبات عدة بأنكم نجحتم فى الوصول للسلطة وما زلتم مستمرين فى السلطة ليس بجهودكم وحدكم بل أيضا بمساندة جميع الإسلاميين لكم ولو أخفقتم، فسوف ينسب الفشل لكل الإسلاميين فيجب إنشاء آلية محددة للمشورة وصنع القرار الرئاسى يشارك فيها ممثلو جميع القوى الإسلامية. هذا الخطاب تم توجيهه صراحة وفى مناسبات عدة للدكتور محمد بديع والمهندس خيرت الشاطر والدكتور محمد مرسى كل على حدة، وهو طلب على بساطته ومنطقيته فهو يعنى تقاسم جميع القوى الإسلامية السلطة مع الإخوان المسلمين وهو ما بدا أن الإخوان لا يمكن أن يقبلوا به أبدا، لا الآن ولا مستقبلا وحتى إشعار آخر. 
وانطلاقا من هذا كله، فكيف للإخوان أن يقبلوا بالدخول فى تحالف انتخابى مع إسلاميين، ويتقاسموا معهم مقاعد برلمان يظنون أن بإمكانهم المنافسة عليها جميعا دون التقاسم مع أحد؟
وبنفس المنطق فإن القوى الإسلامية التى شكت مر الشكوى وراء أبواب مغلقة من بطء القرار السياسى والاقتصادى لرئيس الدولة الإخوانى وعدم مناسبته لمجريات الأحداث وعدم ارتفاعه لمستوى التحديات وعدم التفات الإخوان لنصائحهم واستئثار الإخوان بالسلطة دونهم.. هذه القوى ليس لديها أى رغبة الآن فى التحالف انتخابيا مع الإخوان المسلمين، ليس فقط غضبا من تجاهل الإخوان لنصائحهم ولكن أيضا من منطلق رغبتهم فى المشاركة فى السلطة عبر قوة صندوق الانتخابات، لا سيما أن أغلبية البرلمان المقبل، سوف يحق لها تشكيل الحكومة المقبلة التى يتيح لها الدستور الجديد سلطات واسعة فى إدارة البلاد.
ثقة الإخوان فى أنفسهم فى الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان المقبل رغم منافسة الجميع لهم تقابلها ثقة مماثلة لدى قادة حزب البناء والتنمية وعدد من الأحزاب الأخرى فى الحصول على أغلبية مريحة فى البرلمان المقبل تمكنهم من تشكيل الحكومة، والتأثير القوى فى صناعة قرار وقوانين مصر فى الفترة المقبلة.. التحالف الذى يعد له حزب البناء والتنمية «الذراع السياسية للجماعة الإسلامية» للانتخابات المقبلة أخذ موافقة من كل من: حزب الوطن المنشق عن النور بقيادة د. عماد عبدالغفور وحازم أبوإسماعيل الذى يقود تكتلا مهما جدا، من حيث الانتشار الجماهيرى والقدرة على التعبئة والحشد، ولديه أنصار بجميع المحافظات، كما قرر حزب الوسط وحزب الأصالة السلفى وحزب التوحيد العربى «تحت التأسيس بقيادة محفوظ عزام الرئيس السابق لحزب العمل» الانضمام لهذا التحالف، كما أن البناء والتنمية دعا جميع الأحزاب الوطنية والائتلافات الثورية التى توافق على توجهات هذا التحالف أن تنضم له، وبالتالى فقد تلقى موافقة على المشاركة فى هذا التحالف من قبل عدد من الائتلافات الثورية لكنها كلها بدت ذات ميول إسلامية متفاوتة، وكانت المفاجأة أن الدكتور يونس مخيون رئيس حزب النور أعلن استعداد النور للتحالف مع البناء والتنمية «حليفه فى الانتخابات السابقة» لكن غير معروف حتى الآن طبيعة هذا التحالف وشروطه.. حزب النور لديه طموح وثقة لا تقل عن طموح وثقة كل من الإخوان والبناء والتنمية، لكنه مدرك منذ زمن بعيد أنه لن يتغلب على الإخوان ويتفوق عليهم فى عدد المقاعد إلا عبر تحالفات مهمة، ورغم ذلك فهو سبق وكانت شروطه قاسية فى التحالف مع البناء والتنمية فى انتخابات مجلس الشعب السابقة، حيث طلب البناء والتنمية منه أن يسمح له أن يشارك بـ120 مرشحا، لكن النور وقتها صدمه بأنه لم يسمح له إلا بتقديم 25 مرشحا.. النور لم يتغير لكنه أدرك الآن أن قواعد اللعبة السياسية قد تغيرت، فالبناء والتنمية ظهرت قوته بنجاح 17 من مرشحيه الـ25 حينئذ، كما أن أداءه السياسى أبرزه بين اللاعبين السياسيين الأساسيين فى مصر بقوة، ومن هنا فالنور سيعمل على احتواء البناء والتنمية بشرط أن يحافظ النور نفسه على طموحه السياسى فى أن يكون القوة السياسية الأولى فى مصر بحسب مقاعد مجلس النواب المقبل.. فهل سينجح النور فى ذلك؟
لا أظن أنه سينجح لأن حزب البناء والتنمية لديه طموح لا يقل عن الإخوان المسلمين ولا النور لكنه أكثر واقعية منهم فى تقدير قوته، فثقته فى نفسه قائمة على رهانه فى أن ينجح فى إقامة تحالف واسع ينافس الإخوان المسلمين بقوة، ويبدو أنهم سينجحون فى ذلك لو أنهم اتسموا بقدر مناسب من التواضع السياسى، بحيث يقدمون قدرا مناسبا من التنازلات لكل من القوى والأحزاب التى يطمحون فى ضمها لتحالفهم الانتخابى والذى يأملون أن يطوروه لتحالف سياسى مستمر.
النور ليس أمامه إلا التنازل عن قدر من طموحه كى يتمكن من الدخول فى هذا التحالف الواسع الذى تقوده الجماعة الإسلامية وحزبها البناء والتنمية وإلا فسنكون أمام قائمة خاصة بحزب النور وحده.. وحزب النور اليوم ليس هو حزب النور الذى خاض انتخابات مجلس الشعب العام الماضى وحصد %25 من المقاعد له ولحلفائه.. حزب النور كان وقتها الممثل الوحيد للسلفيين المعروفين لدى عامة الشعب بأنهم متدينون متشددون أمام الإخوان المسلمين الذى يعرفهم الشعب الميال للتدين بأنهم متساهلون فى الدين لحد ما.. النور اليوم لديه قائمة سلفية منافسة هى قائمة حزب البناء والتنمية ومعهم عماد عبدالغفور الذى انشق من النور ومعه ثلث قوة حزب النور، وهذا التحالف يضم أيضا حازم أبوإسماعيل الذى سبق وشق حزب النور نصفين وقت ترشحه لانتخابات الرئاسة فحاز تأييد %50 من قوة النور.. لا شك أن قيادة حزب النور «الذراع السياسية لتنظيم الدعوة السلفية» تدرك جيدا تغير قواعد اللعبة السياسية وإحجام القوى اللاعبة، لكن لا يمكن الجزم بأنها أدركت حجم هذه التغيرات ومداها، كما لا يمكننا الآن الجزم بأنهم لديهم الشجاعة لتقديم تنازلات كافية تتيح لهم الاشتراك فى تحالف واسع كالذى يطرحه البناء والتنمية.
لو أردنا أن نرتب القوى الإسلامية الآن من حيث واقعيتها فى إدراك الحجم الكبير والعميق للتغيير فى واقع القوى والحياة السياسية المصرية، فسوف نضع البناء والتنمية فى المقدمة ومعها حزب الوسط وحزب الوطن «عماد عبدالغفور» وكتلة حازم أبوإسماعيل، ويليهم فى التناغم مع الواقعية حزب النور وفى مؤخرة القائمة سنجد حزب الحرية والعدالة «الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين» بطموحهم الواسع وثقتهم المفرطة بمنظمتهم وخبرتهم. 
نحن إذن سنكون فى الانتخابات المقبلة أمام قوائم ثلاث تمثل القوى الإسلامية.. قائمة تحالف البناء والتنمية وقائمة حزب النور وقائمة الإخوان المسلمين مع احتمالية متوسطة لدخول النور فى تحالف البناء والتنمية.
من يكره الإخوان من القواعد الشعبية ذات التوجه السياسى الإسلامى سيتوجه إما للنور أو لتحالف الجماعة الإسلامية، من يحسبها بالتشدد والتساهل قد يصنف النور متشددا والإخوان متساهلون وتحالف البناء والتنمية وسط. 
أما لو انضم النور لتحالف البناء والتنمية فإنه سيضر قائمة الإخوان المسلمين ضررا كبيرا، لأن قواعد شعبية كثيرة ستصرف كراهية الإخوان كلها لتصب لصالح التصويت لقائمة البناء والتنمية، بدعوى أن كل الإسلاميين ليسوا راضين عن أخطاء الإخوان المسلمين، كما أن هناك تعنتا من الإخوان ضد إخوانهم الإسلاميين جميعا، وهذا قد يهز الوضع الداخلى عند الدرجات الدنيا من القواعد التنظيمية للإخوان المسلمين أيضا.

 عبدالمنعم منيب
تم نشر هذا الموضوع في جريدة اليوم السابع الورقية و على موقعها الالكتروني 14 يناير 2013.



  

تعليقات