فلسطين وأوهام السياسة العربية

بدأت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة غير المباشرة على أساس أجندة السياسية تعتمد على أساس أن تسير المفاوضات تقريبية بشكل غير مباشر لمدة أربعة أشهر، وبعد ذلك يتم الانتقال إلى "المفاوضات المباشرة" إذا ما تحقق تقدم، وإذا ما أجاب نتانياهو على "أسئلة الأمن والحدود"، كما على النحو الذى طالب به الفلسطينيون، ولم يمض أكثر من شهرين حتى انتقل الإسرائيليون والأمريكيون إلى المطالبة بالدخول فى المفاوضات المباشرة، دون أن تتقدم تلك المحادثات التقريبية خطوة واحدة.

ولاحظنا هجوماً ثلاثياً أمريكيا وإسرائيلياً وأوروبياً مركزاً منسقاً على السلطة والعرب لإجبارهم على الذهاب إلى المفاوضات المباشرة.. فماذا كان رد فعل السلطة الفلسطينية؟

رئيس السلطة محمود عباس توجه للدول العربية ممثلة فى الجامعة العربية فى مسعى تكلل بحصوله على موافقة العرب على توجه السلطة للمفاوضات المباشرة دون شروط، وذلك عندما وافقت لجنة مبادرة السلام العربية قبل أسبوعين تقريباً على ذلك، وإن تركت توقيتها وكيفيتها لرئيس السلطة.

ثم عاد محمود عباس يعلن أنه كى يعود للمفاوضات المباشرة بلا شروط، فإنه يريد دعماً سياسياً من الدول الكبرى، مطالباً الرباعية (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى وروسيا) أن تكرر بيانها الذى أصدرته فى مارس الماضى، والذى يدعو إسرائيل لوقف الاستيطان والتوصل إلى اتفاق خلال 24 شهرًا.

وتقول السلطة، إنها تريد دولة فلسطينية على أراضى 1967 عاصمتها القدس الشرقية على أساس حل الدولتين، وهو حل لا شك أن الاستيطان يعوقه، أما نتانياهو فهو لم يعلن حتى الآن تجميد الاستيطان.

وقال رئيس دائرة المفاوضات فى منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، إن السلطة تريد محادثات مباشرة لكن "بجدول أعمال محدد وسقف زمنى محدد، وأن تقوم إسرائيل بوقف الاستيطان بما يشمل القدس، وقبول مرجعية الدولتين على حدود عام 1967 مع تبادل متفق عليه".

ونسى عريقات أو تناسى أن الضغط الإسرائيلى والمؤيد من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى هدفه شىء واحد محدد هو عودة المفاوضات المباشرة بلا قيد أو شرط.

وأثناء ذلك كله وبعده يمكننا قراءة الأخبار التالية فى مختلف وسائل الميديا: "قالت الخارجية الأمريكية إن الوزيرة هيلارى كلينتون بحثت بيان الرباعية مع الأمين العام الأممى بان كى مون ومبعوث الرباعية تونى بلير ووزير الخارجية الروسى سيرغى لافروف.

وقال المتحدث باسم الخارجية فيليب كراولى إن واشنطن تؤيد إصدار مثل هذا البيان إذا كان يسمح بالانتقال إلى المحادثات المباشرة".

"قال نتانياهو فى لقاء مع ميتشل فى القدس إنه متمسك بالمفاوضات المباشرة، وهو هدف تتشاطره معه الإدارة الأمريكية، كما قال المبعوث الأمريكى".

فلماذا هذا التكالب الثلاثى على إجبار الضحية للذهاب إلى مفاوضات ميئوس من نتيجتها؟! ولماذا كثرة الكلام عن هذه المفاوضات وخطواتها رغم أن كل هذه المفاوضات أموراً فارغة وليس لها أى مضمون و لن تحقق أى هدف؟

فى الواقع فإن الحكومة الإسرائيلية تطبق فى هذا المجال مقولة لوزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كسينجر، قال فيها "أوهم الآخرين بأنك تتحرك فى حين تكون ثابتا"، وهذه المقولة واضح أنها أساس التحركات الأميركية-الإسرائيلية المشتركة فى حدوتة المفاوضات، وذلك ليس تطورا طارئا على السياسات الإسرائيلية أو الأمريكية فى المنطقة، بل هى إستراتيجية إسرائيلية وأمريكية و أوروبية ثابتة بشأن العمليات السياسية (و الاقتصادية أحيانا) فى العالم الاسلامى منذ أن تدهورت قدراته ومكانته السياسية والإستراتيجية.

ولعل السؤال الذى يطرح نفسه الآن هو ما الغاية من هذه الاستراتيجية التى يمارسونها تجاهنا؟

الإجابة بسيطة لكنها مؤلمة وهى: أنهم يمارسون علينا عمليات التخدير لئلا نيأس فنلجأ إلى استراتيجيات وتكتيكات أخرى فى أى عملية سياسية على نحو مضاد لأهدافهم ومصالحهم، وكلنا يذكر مؤتمرات القمة العربية الطارئة أو المنتظمة التى لا تنتج أى شىء مفيد للعالم العربى أو للقضية الفلسطينية والتى رغم ذلك تتكلف مئات الملايين من الدولارات كان أطفال فلسطين أولى بها، ولكنها طبعاً مفيدة لأمريكا وإسرائيل لأنها قطعا تخدر الشعوب العربية التى تظل تنتظر وتنتظر النتائج والتحركات والقرارات العربية دون أن يتحقق شىء ودون أن تيأس الشعوب العربية فتلجأ إلى طرق وأساليب أخرى لحل مشاكلها أملاً فى الجامعة العربية وقراراتها، لذلك فإنه ما لم تفهم الشعوب العربية حقيقة هذه الأوهام السياسية فإنها ستظل تنتظر وتنتظرإلى يوم القيامة دون أدنى جدوى.
عبدالمنعم منيب
نشرت في موقع جريدة اليوم السابع 12 أغسطس 2010

موضوعات متعلقة



تعليقات