تطور الأفكار بسبب الاحتكاك بالواقع العملي

باب تجربتي هذا استحدثته هنا كي احاول تدوين ابرز المعالم التي تتضمنها تجربتي في العمل الاسلامي خلال الـ34 عاماالآخيرة على حلقات , لعل ذلك يفيد من شاء ان يطالع تجارب الآخرين و يضعها في اعتباره عند عمله في نفس المجال أو في مجالات مشابهة.  

 الأفكار  يمكن أن تتطور بسبب الاحتكاك بالواقع العملي  و سأذكر هنا ان شاء الله عدة أشياء على سبيل المثال, و أرجو من القراء أن لا يملوا لو بدت الكتابة ككتابة حدوتة فانا احكي وقائع حقيقية تمثل خبرة قد تكون مهمة و مفيدة لمن شاء ان يستفيد منها. 
الأول - عندما كنت في السجن بين أكتوبر 1981 و حتى مارس 1984 تكون فكري الفقهي على نحو قريب من الفكر الفقهي للتيار السلفي التقليدي الذي يدين بالتقيد بمذهب فقهي محدد و عدم الاعتماد في الفتوى الا على مفتي يحوز كامل شروط الاجتهاد المنصوص عليها في علم أصول الفقه في أصعب صورها, ثم مع استمرار القراءة في علم أصول الفقه تبلورت مسألة التمذهب بشكل به قدر أكثر من الواقعية و الانفتاح (نسبيا) و الاقتراب من المنهج السلفي في هذا الموضوع و تم لي هذا بالارتكاز على كتابات الشيخ الشنقيطي صاحب أضواء البيان و الشوكاني الغزالي في المستصفى و هكذا بحيث أصبح موقفنا أن  التمذهب ضرورة للتعلم و ليس واجب شرعي انما ضرورة تقدر بقدرها على أن يتم التعلم عبر أدلة المسائل الفقهية المختلفة و هنا كان المتاح لنا المذهب الحنبلي بسبب المشايخ الذين كنا متصلين بهم و بسبب أن لهذا المذهب عدد من الكتب الفقهية المتدرجة من الاختصار للتوسط للاسهاب و كلها من اولها لاخرها تذكر كل مسألة بدليلها (طبعا بعد ذلك بسنوات لما دخلت في دراسة المذهب الشافعي وجدت منظومة كهذه و أغلبها للخطيب الشربيني لكن المنتشر للأسف من كل المذاهب بما فيه الحنبلي هو فقه بلا ذكر للدليل).
في البداية لما كان الناس في المسجد يستفونني عام 1984 (و كنت في أولى جامعة) كنت أقول لهم لابد أن تذهبوا لعالم محصل لشروط الاجتهاد لتستفتوه فيقولوا لي مثل من؟ و هم ينتظرون أن اذكر لهم شخصا في نفس المسجد أو في مسجد قريب منا فطبعا تأتي اجابتي فيها حيرة لأني وقتها لم اكن أثق في فتاوى علماء الأزهر في اي مسألة حتى لو كانت في مسألة بعيدة عن السياسة .. و العلماء الموثوقين عندي هم من نعتبرهم اليوم بعضا من الدعاة المشاهير أو بعضا من علماء الأزهر الذين لم يكونوا ليتولون مناصب في مقر الأزهر ... المهم أنا أوجههم لعلماء بعيدين أزهريين أو غيرهم (مثل الجمعية الشرعية و نحوها) و هم لا يذهبون و لا يريدون ان يذهبوا و مصرين أن يجدوا الرد عندي أو لا يهتموا بالمسألة بالكلية ... هنا بدأت ألجأ لمسألة نقل الفتاوى من الكتب لأن فروع الفقه مفصلة بكثرة كثيرة جدا في كتب الفقه المسهبة و كنت (حينئذ) أراجع ما أشاء من مسائل الفقه في كتاب "المغني" لابن قدامة فكنت أقرأ الفروع الكثيرة و كانت أسئلة الناس لا تخرج عنها و تتطابق معها حرفيا في الغالب الأعم و أنا مجرد ناقل  للحكم الشرعي أو للفتوى دون أن أفتي ... 
و من هنا تعدل موقفي من عازف جدا عن فتح فمي بأي كلمة في الحكم الشرعي لأي موقف أو مسألة الى نقل فتاوى علماء السلف أو حتى الخلف في المسائل المتطابقة أو المتشابهة مع مع سبق و أفتوا فيه.
و مما شجعني على ذلك أن الناس معذورون لأنهم في حالات كثيرة لا يجدون بالقرب من اماكن سكنهم او عملهم من يثقون به ليستفتوه , طبعا لم تكن الفضائيات قد نشأت و لا النت كما هو الآن لكن على كل حال  الناس تثق أكثر في من تعرفه شخصيا و تعرف الكثير عن شخصه , و هناك عامل آخر شجعني على ذلك و هو عامل مازال موجودا الآن و هو وجود من يضل الناس بفتواه سواء بقصد أو بدون قصد و سواء بعلم أم بجهل.
الثاني- أن أفكارنا السياسية كانت حتى منتصف الثمانينات ترتكز على فكرة التقوقع و تركز على البناء التنظيمي البطئ و اهمال العمل الجماهيري بأغلب تكتيكاته (أساليبه ووسائله) فالبناء التنظيمي بهذه الصورة لا يعتمد في التجنيد سوى على الدعوة الفردية كما لا يعتمد في التثقيف سوى على التلقين الفردي عبر الكتب و شرائط الكاسيت (كان وقتها العصر الذهبي للكاسيت) لكن مرور الوقت و اكتساب مزيد من الخبرة السياسية العملية بينا لي أن العمل الجماهيري حتمية لا بد منها لتسريع وتيرة التجنيد و انجاز الأهداف المطلوب انجازها لتنفيذ بناء تنظيمي حقيقي و فعال و قادر على التاثير و صناعة الأحداث أو على الأقل توجيهها أو الاستفادة بما فيها من فرص, و من هنا تبين لنا أهمية البناء التنظيمي بجانب عمل جماهيري متوسط يتناسب مع حجمنا و يزداد تباعا تبعا لزيادة حجمنا فالبناء التنظيمي يحرك العمل الجماهيري و الأخير يغذي و يدعم و يقوي البناء التنظيمي ... و هذا كله درس متعلق بطبيعة و حقيقة العلاقة بين البناء التنظيمي و العمل الجماهيري لأنه كثيرا ما ينتشر الاحساس بان أحدهما مضاد للآخر أو متناقض معه , و هذه الفكرة (المذكورة هنا ثانيا) تظهر تطور الفكر السياسي و الاداري (أو التنظيمي) عبر الممارسة و الخبرات العملية و الضغوط أو التفاعل في الواقع العملي... لكن هناك بعد سياسي آخر متعلق بالعمل الجماهيري و هو ما سيرد في النقطة التالية:
الثالث- هو أن العمل السياسي يحمي العمل الدعوي و يسانده و هذا و ان لم أنفذه فعليا فإني شاهدته و تعلمته في واقع الحركات الاسلامية المصرية منذ ارتباطي بالحركة الاسلامية المصرية منذ عام 1978 و حتى ثورة 25 يناير 2011 المصرية, فجماعة الاخوان المسلمين عملت بالسياسة بأساليب و وسائل مختلفة منذ بدأت في اعادة بناء الجماعة من جديد اثر خروج قادتها من السجن في سبعينات القرن العشرين  و كان هدفها الأول و الأساسي من عملها في السياسة هو حماية الجماعة و افساح هامش من الحرية لنشاطها الدعوي و التربوي و الاعلامي و التنظيمي, و استغلت الأوضاع و الأحداث السياسية المختلفة لخدمة هذا الهدف, و جاء صعود التيار الجهادي  التدريجي منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة المعروفة اعلاميا بقضية الفنية العسكرية و مرورا باغتيال السادات   وصولا الى الأعمال المسلحة الواسعة التي شنها جهاديون في تسعينات القرن العشرين ضد نظام حكم الرئيس المخلوع (مبارك) و استفاد الاخوان المسلمون من هذا العنف لأنهم طرحوا انفسهم على النظام و أجهزته الأمنية على انهم صمام أمان ضد تحول الشباب المتدين لخندق الفكر الجهادي المتشدد و نجحوا في هذا بدرجات متفاوتة تفاوتت من وقت لآخر حسب ملابسات الوضع و متغيراته, و طبعا كان لجماعة الإخوان المسلمين أدواتها و أساليبها الأخرى العديدة للممارسة السياسة و ملاعبة نظام مبارك سياسيا لحماية الجماعة و كفالة هامش حرية للعمل و الاستمرار في البناء التنظيمي و من ذلك الأساليب القانونية (الضغط عبر المحاميين و المحاكم و المنظمات الحقوقية المحلية و الدولية) والأساليب السياسية الأخرى مثل حيازة الأغلبية في انتخابات النقابات المهنية و الاتحادات الطلابية و نسبة ما من مقاعد البرلمان  و التحرك بذلك كله للضغط على النظام يضاف لذلك قدر من الوسائل الاعلامية, و من هنا فقد أتيح للاخوان المسلمين ما لم يتح لغيرهم من الحركات الاسلامية المصرية من هامش حرية العمل الدعوي و التربوي و البناء التنظيمي كما كانوا أصحاب النصيب الأقل من القمع الأمني الحكومي, و يليهم في مثل هذه الحرية و تضائل النصيب في القمع أغلب فصائل التيار السلفي و ان كان السلفيون لم يمارسوا التكتيكات السياسية بنفس درجة الاخوان الا إن الذي خدمهم أمران:
1- موقفهم العلني الرافض للعمل المسلح ضد النظام و في نفس الوقت عزوفهم عن العمل السياسي الذي يمارسه الإخوان المسلمون , و من هنا فهم بالنسبة لأجهزة الحكم و الأمن المصرية ليسوا أهدأ فقط من الجهاديين بل و أيضا من الإخوان المسلمين.   
2- أن الجهاز الأمني لمس أنهم قد يكونوا الأجدى في احتواء قطاع من الشباب المتدين و منعهم من الانخراط في التيارات الجهادية, لأن الاخوان قد يحتوون مطلق النشطاء المتدينين تدينا عاما اما المتدينون تدينا سلفيا فلن يحتويهم الا مشايخ السلفية.
و من هنا فإن القمع الغاشم جدا الذي تعرض له تنظيما الجماعة الاسلامية و الجهاد المصري لا يرجع فقط لإستخدامهما السلاح في مواجهة نظام مبارك و لكن أيضا لاهمالهما العمل السياسي , فلو كان لهما عمل  سياسي حقيقي و فعال فلكان منع المواجهة أولا ثم حتى لو كانت اندلعت لكان القمع الذي وقع عليهم أقل وطأة و لشمل مساحة أقل من أعضاء التنظيمين و لقصرت مدته الزمنية عما حدث فعلا.
و من هنا تبين لي أهمية العمل السياسي لحماية الدعوة و فتح المجال لها..... و هذا الدرس تعلمته مع الوقت من الممارسة و من مراقبة ممارسات الحركات الاسلامية و السياسية الأخرى, و أعتبره من تطورات الفكر الناتجة عن التفاعل مع الواقع. 


عبد المنعم منيب

موضوعات متعلقة

تعليقات