الدعاة الأثرياء..كيف ينفقون أموالهم؟؟

نشرت مجلة فوربس ملفا عن ثراء عدد من الدعاة الجدد و أثار ذلك العديد من الأسئلة, و يأتي على رأس هذه الأسئلة سؤال: أليس لهؤلاء الدعاة حق في أن يكون لهم دخل كبير و يصيروا من الأثرياء؟؟في الواقع أن في طرح هذا السؤال بهذه الصيغة تبسيطا كبيرا للقضية, لأن هؤلاء الدعاة ليسو أشخاصا عاديين بل هم أشخاص لهم مكانة في المجتمع مختلفة نسبيا عن غيرهم, صحيح أن أغلبهم ليسوا علماء دين لكن كلهم عرفوا جيدا كيف يروجون لأنفسهم في الفضائيات أو غيرها من وسائل الإعلام بما جعلهم نجوما من نجوم المجتمع المتدين و أتاح لهم دخلا ماديا كبيرا و ضعهم في مصاف الأثرياء.لذلك كله لا يمكن أن ننظر إليهم كأشخاص عاديين بل لابد أن ننظر إليهم في ضوء النجومية التي صنعوها لأنفسهم مع سبق الإصرار والترصد.وبالتالي فمن المناسب أن نعاملهم حسب الصورة التي يحرصون ضمنا على رسمها لأنفسهم, و هي صورة العلماء (رغم تأكيدنا الجازم على أن أغلبهم ليسوا علماء), و من هذا المنطلق يأتي طرح العديد من الأسئلة الدقيقة من قبيل: هل يصح أن يأخذ الدعاة أو العلماء أجرا على الدعوة أو على تعليم الناس؟؟ إذا كان للدعاة و العلماء حق الحياة الكريمة مثل كل البشر فإنهم يحق لهم أن يكون لهم دخل مناسب يكفل لهم مثل هذه الحياة الكريمة, و قد كان علماء الإسلام على مر التاريخ و الدعاة المتفرغون للدعوة يحصلون على مخصصات مالية ضخمة من ميزانية الدولة, و قد كانوا يقبلونها أيام الحكام العادلين مثل الخلفاء الراشدين و عمر بن عبد العزيز و ينفقونها على أنفسهم و على طلاب العلم الذين يتتلمذون عليهم ليتفرغوا لطلب العلم كما يتصدقون بالباقي حتى لا يبقى عندهم منها شئ, أما في العصور التالية (أيام الأمويين و العباسيين و من بعدهم) فقد كانت لهم أساليب مختلفة مع هذا المال فنجد الإمام مالك يقبله و يتعامل معه بنفس الطريقة السابقة و كان من التلامذة الذين تكفل مالك بالإنفاق عليه فترة طويلة جدا تلميذه الإمام الشافعي.وأما الإمام أحمد فقد كان يرفض هذا المال حتى أنه قضى معظم أيام عمره الأخيرة مريضا بسبب قلة الطعام و الجوع المتواصل و عندما كلمه أولاده في ذلك قال لهم هذا خير من أكل الحرام, و على نفس الطريقة سار أحد أعظم علماء الشافعية و هو الإمام النووي.أما الإمام أبو حنيفة فكان له طريقة مختلفة في التكسب حيث كان يتكسب من ممارسة التجارة بنفسه في السوق, و في النماذج الثلاثة انحصرت أساليب العلماء إلى أن انتشرت فكرة الأوقاف التي يوقفها أغنياء و حكام المسلمين على العلماء و طلبة العلم و المدارس العلمية فحلت محل الإعانات الحكومية مثل التي كان يتلقها الإمام مالك و من سار وفق أسلوبه من العلماء لكن مال الأوقاف لم يكن فيه شبهة الحرام التي كان يخافها ابن حنبل و النووي و من سار على منهجهما, لكن يبقى تميز منهج أبي حنيفة الذي لم يكن الدافع منه فقط التحرز من الحرام الذي قد يكتنف مال دولة ظالمة لكنه أيضا يهدف إلى عدم الحصول على أي نفع دنيوي من جراء نشره للعلم و الدعوة الإسلامية. و عندما جاء العصر الحديث شاهدنا علماء أغنياء بمرتبهم الوظيفي أو بموارد شخصية مثل كثير من علماء الخليج ووجدناهم يحرمون ما يسمى بحقوق الملكية الفكرية بشأن كتب العلم الشرعي و شرائط الكاسيت الخاصة بالدروس الشرعية و الوعظ, و أشهر هؤلاء ابن باز و محمد العثيمين و ابن جبرين, بينما ذهب بعض العلماء الذين لم يكن لهم أي مورد رزق إلى تحريم الاعتداء على مثل هذه الملكية الفكرية لأنها مصدرهم الوحيد للرزق و من أشهر من قال بذلك الشيخ ناصر الدين الألباني والداعية محمد حسان.و الآن نلاحظ أن الدخل الذي أصبح متاحا لأي من العلماء المعاصرين و مثلهم الدعاة الجدد منحصر في حقوق الملكية الفكرية لكتبهم ثم تسجيلاتهم المشاهدة (الفيديو و الفضائيات) أو الصوتية (الكاسيت و السي دي) و لا شئ غيره سوى ممارستهم لوظيفة ما أو تجارة ما مثل أبي حنيفة, و لكننا لم نعلم بعد رأي السادة دعاة وعلماء الإسلام المتمسكين بحقوق ملكيتهم الفكرية فيما إذا كان هذا التمسك ينقص أجر الداعية في الآخرة بدرجة ما أم أن أجره في الآخرة مثله مثل الذي لا يأخذ قرشا من جراء دعوته؟؟و كذلك إذا كنا قد لاحظنا أن سلوكيات العلماء في الإنفاق سابقا قد انحصرت في أحد أمرين:الأول- الإنفاق الواسع و هذا شمل العيش المناسب للعالم بجانب إنفاق واسع جدا على الطلاب يشمل كفالتهم المعيشية و العلمية بشكل كامل كما فعل مالك و أبوحنيفة و غيرهما.الثاني- العيش عيشة متقشفة جدا يسودها الجوع و الزهد كما فعل ابن حنبل و النووي و غيرهما.و إزاء ذلك كله ربما يحق لنا أن نسأل: ما هو النمط الإنفاقي للدعاة الجدد؟؟
عبدالمنعم منيب

تعليقات