اللاعبون الجدد في الشرق الأوسط

أشارت المصافحة الشهيرة بين هيلاري كلينتون ـ وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ـ ووزير خارجية سوريا وليد المعلم في المؤتمر الدولي لإعمار غزة في شرم الشيخ بمصر مؤخرًا إلى الخريطة الجديدة لللاعبين في الشرق الأوسط.
فسياسة القطيعة الأمريكية ضد عدد من القوى السياسية المؤثرة في المنطقة بهدف الضغط عليها لإخضاعها لم تأت للولايات المتحدة بالنتيجة التي هدفت إليها، وجاء باراك أوباما على رأس الحزب الديمقراطي لحكم الولايات المتحدة ليحاول اعتماد سياسة جديدة قائمة على الاعتراف بدور ما لعدد من القوى بالمنطقة؛ بهدف إخراج أمريكا وحلفائها من ورطتهم في عدد من الملفات الساخنة بالمنطقة، التي صارت كلها ساخنة ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
من الصومال التي نجح فيها المجاهدون في طرد أثيوبيا حليفة الولايات المتحدة، إلى العراق التي غاصت في مستنقعه القوات الأمريكية وحلفاؤها حتى الركب، إلى لبنان التي تصدر فيها حزب الله وحلفاؤه المشهد السياسي والعسكري، إلى فلسطين الذي استعصت فيها حماس على الكسر أو التطويع أمام آلة الحرب الإسرائيلية العملاقة، وأخيرًا أفغانستان التي يجمع المراقبون على أنها في طور التحول إلى فيتنام جديدة بالنسبة لقوات الناتو التي تقودها الولايات المتحدة هناك ضد حركة طالبان وحلفائها.
جاء أوباما ليعترف لأغلب القوى التي أحرجت الولايات المتحدة وقواتها في المنطقة بدور ما، مقابل دخولها في النسق السياسي العام الذي رسمته الولايات المتحدة للمنطقة.
فهو يعرض إمكانية الاعتراف بدور سوريا الإقليمي مقابل الحد من تحالفها مع إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية، أو حتى مجرد حث إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية بقوة على التفاهم مع أمريكا لدخول النسق الأمريكي للمنطقة، كما يمكن التفاهم مع حزب الله والسماح له بدور قوي في لبنان مقابل تخفيفه للعداء مع "إسرائيل"، ونفس الشيء سيحدث مع إيران، الاعتراف والسماح لها بممارسة دور إقليمي مقابل التفاهم في ملفات المنطقة الهامة؛ كالنووي والعراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان.
أما المنظمات التي يستحيل تقديم تنازلات لها مثل طالبان_ التي تسعى لاسترداد حكمها لأفغانستان_ والمنظمات الإسلامية المجاهدة، التي تريد حكمًا إسلاميًّا خالصًا في الصومال، فهذه لا يمكن أن تتساهل معها الولايات المتحدة بشكل مباشر الآن؛ لأنها لن تسمح بتحقيق مثل هذه الأهداف بسهولة؛ ولذلك فهي_ أي الولايات المتحدة الأمريكية_ بحثت في الصومال عن بديل اعتبرته معتدلًا، وهو رئيس المحاكم الإسلامية السابق "شيخ شريف شيخ أحمد"، وستحاول من خلاله احتواء بقية القوى الإسلامية الأكثر تمسكًا بالشريعة.
ونفس الشيء تحاوله مع طالبان في أفغانستان، وهو إحداث انشقاق في الصف الطالباني يتيح لأمريكا بديلًا لطالبان من داخلها، يمكنه أن يقدم نسقًا سياسيًّا مقبولًا لدى أمريكا، وفي نفس الوقت قادر على احتواء طالبان والقوى الإسلامية الأفغانية، وهذا الخيار هو ما أسماه أوباما في خطاب له مؤخرًا بـ "الحوار مع القوى المعتدلة في طالبان".
على كل حال، فنحن هنا لسنا بصدد الكلام عن تفصيلات السياسة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، إنما يعنينا الكلام عن اللاعبين الجدد الذين من المحتمل أن تدشنهم ـ مع أشياء أخرى ـ هذه السياسة.
وأول وأقوى اللاعبين الجدد الذين ستعترف بهم السياسة الأمريكية ـ ومن ورائها سياسة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ـ في المنطقة هو إيران بقوتها العسكرية، وعلاقاتها السياسية المتشابكة، لكن بشرط أن تكف أو على الأقل تقلل من إثارة المتاعب في وجه "إسرائيل" وفي وجه النفوذ الأمريكي بالمنطقة، وربما يصبح الشكل الجديد قائم على أن تظل معاداة إيران للغرب و"إسرائيل" على المستوى النظري فقط وليس على المستوى العملي، ولكن ذلك مرهون بالتفاهم على شكل للبرنامج النووي الإيراني يكون مقبولًا لدى أمريكا وإيران و"إسرائيل".
أما ثاني اللاعبين الذين ستعترف لهم الولايات المتحدة بدور بارز في الشرق الأوسط فهي سوريا، ولكن لا بد وأن يتم ذلك طبعًا في إطار النسق الأمريكي التي تزمع الولايات المتحدة إرساءه في المنطقة بالتعاون مع حلفائها، وفي هذا الإطار يمكن إدراك المغزى من سعي الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة لمد الجسور مرة أخرى مع سوريا تحت دعاوى مختلفة.
ويأتي حزب الله اللبناني كثالث اللاعبين الجدد في النسق الأمريكي في المنطقة، بعدما أضنت سياساته حلفاء أمريكا في لبنان و"إسرائيل"، وبعدما ظهر للولايات المتحدة ارتباطه العضوي بإيران.
وعلى كل حال، فإذا كانت هذه رغبة الولايات المتحدة بشأن هؤلاء اللاعبين الجدد، فإن لهؤلاء اللاعبين رغبات ومطالب، ونجاح الصياغة الأمريكية الجديدة في المنطقة مرهون بقدرة كل من الولايات المتحدة وهؤلاء اللاعبين على التوافق على سقف موحد للمطالب، التي سيتم الوفاء بها لهؤلاء اللاعبين الطموحين.
أما تركيا التي ظهرت على مسرح أحداث الشرق الأوسط بقوة في الفترة الأخيرة، ويليها دولة قطر فهما قد انتزعتا دورًا ما بارزًا بالمنطقة لكنه تم تحت سمع وبصر الحليف الأمريكي و"الإسرائيلي"، كما أن الولايات المتحدة تقبل هذا الدور وستعمل على استغلاله في ترويض سوريا وإيران وغيرهما بهدف تحقيق السياسات الأمريكية الجديدة بالمنطقة.
وإذا كان هؤلاء جميعًا هم أبرز اللاعبين الجدد الذين تعمل السياسة الأمريكية الجديدة في عهد أوباما على إدخالهم في الصياغة الأمريكية للمنطقة مقابل الاعتراف بأدوارهم الإقليمية، فإن هناك لاعبَيْن آخرَيْن من خارج المنطقة دخلا لحلبة الصراع لكن بقوتهما الذاتية السياسية والاقتصادية والعسكرية، بجانب إرادتهما وتصميمهما على لعب دور بارز في إقليم الشرق الأوسط، وهذان اللاعبان هما روسيا الاتحادية والصين الشعبية، لكن تأتي قضية قرار الجنائية الدولية باعتقال البشير أحد أبرز حلفاء الصين في إفريقيا كاختبار قوي لصدق الرغبة الصينية في لعب دور قوي في المنطقة.
ولاشك أن للولايات المتحدة هدفًا من صياغتها الجديدة للشرق الأوسط، والتي ترغب في إرسائها في عهد أوباما، وهو كما قلنا في صدر المقال: الخروج من أزماتها المختلفة في المنطقة، وهذا يعني أنها تنشئ تحالفات جديدة لتواجه بها صراعاتها في أفغانستان وفلسطين والصومال والعراق والسودان وغيرها من ملفات المنطقة الساخنة.
عبد المنعم منيب
في المدونة القديمة 2009-03-29 11:00

تعليقات