كتاب أمريكى يكشف: كيف يفكر مليار مسلم؟

هل يعرف الغرب شيئا حقيقيا عن الإسلام؟
قبل أن تسارع بتقديم إجابة، أضع بين يديك واقعتين، الأولى روتها السيدة جيهان السادات فى كتابها (أملى فى السلام) الذى نشرت «الشروق» مؤخرا ترجمة له، قالت السيدة جيهان: «أحد الصحفيين الأجانب سألنى مرة عن عدد المرات التى يضربنى فيها زوجى الرئيس السادات؟ فأجبته ساخرة 24 مرة فى اليوم، ثم رحت أشرح له حقيقة وضع المرأة فى الإسلام. الواقعة الثانية تتمثل فى ذلك السؤال الذى ألقاه معهد «جالوب» على الأمريكان بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر: «ما أكثر شئ يعجبك فى المسلمين؟» جاءت الإجابة فى جملتين لا ثالث لهما «لا شئ» و«لست أدرى».
ولكن ماذا يفعل الغرب إن أراد معرفة آراء المسلمين الحقيقية؟ الأمر يبدو مأزقا صعبا، فالمسلمون عددهم حوالى مليار و300 مليون وهم موزعون على أكثر من خمسين دولة، بل لا توجد دولة فى العالم ليس من بين مواطنيها جماعة من المسلمين، ثم من الذى من حقه الحديث باسم الإسلام.
معهد «جالوب» بإمكاناته الأضخم أجرى دراسة هى الأكبر فى مجالها ليجيب عن هذا السؤال المركزى، استغرقت الدراسة ست سنوات من عام 2001 إلى عام 2007 وكانت محصلتها كتاب «من يتحدث باسم الإسلام» الذى صدر عن دار «الشروق» مؤخرا بترجمة للدكتور «عزت شعلان»، وتقديم فهمى هويدى.
دراسة «جالوب» استلزمت إجراء مقابلات مع عشرات الآلاف من المسلمين فى أكثر من 35 دولة، المقابلات جرت مع عينات عشوائية شملت كل طوائف المجتمع الإسلامى، ثم تولى الأستاذ «جون إسبوزيتو» والدكتورة «داليا مجاهد» تحرير الكتاب وتقديم قراءة لما جاء فى المقابلات الحية.
فى تقديم المترجم الدكتور عزت شعلان للكتاب يشهد بأن الأستاذ «إسبوزيتو» من أشهر الخبراء والباحثين فى شئون الإسلام وهو عميق التفكير، واسع الإطلاع، نزيه عن الغل الدفين، والسباب الأحمق، والكراهية العمياء، والجهل الفاضح، والتعصب المقيت، وهى صفات كما يقول المترجم شاعت بين طائفة من دعاة المسيحيين.
ولكن إعجاب المترجم بالمؤلف لم يمنعه من انتقاده والرد عليه وتفنيد كلامه فى بعض أجزاء الكتاب، خاصة عندما تحدث المؤلف عن «التوسع الإسلامى الإمبريالى»، المؤلفة الثانية هى الدكتورة داليا مجاهد مسلمة «محجبة» تتولى منصب المدير التنفيذى لمركز جالوب للدراسات الإسلامية، وهى كبيرة المحللين للبيانات، فضلا عن كونها مستشارة الرئيس الأمريكى للشئون الإسلامية، لتكون أول مسلمة تتولى منصبا رفيعا داخل البيت الأبيض.
أسئلة
منذ البداية يحدد الكتاب هدفه المتمثل فى طرح أربعة أسئلة على العينات التى خضعت للاستطلاع، ومن ثم الحصول على إجابات ستوصف بالمدهشة، لأنها تفارق ما اعتادت عليه الذهنية الغربية.
الأسئلة الرئيسية هى: ما هو أصل العداء للأمريكيين فى العالم الإسلامى؟ من هم المتطرفون؟ هل يريد المسلمون الديمقراطية، وإذا صح ذلك فكيف تبدو؟ ما الذى تريده النساء المسلمات حقا؟
كتمهيد لطرح الأسئلة، بدأ المؤلفان فى تقديم إجابة مطولة عن سؤال (قد يراه العربى أو المسلم مضحكا) وهو: «من هم المسلمون» المؤلفان للحق معذوران فى طرح هذا السؤال، فهما يخاطبان الغرب الذى أدركا أنه لا يعرف شيئا عن الإسلام، أو يعرف أشياء غارقة فى «جهل متعمد» مر بنا أن صحفيا كان يظن أن ضرب الرجل لزوجته أمر عادى يحدث باستمرار حتى لو كان الرجل هو الرئيس السادات وكانت الزوجة هى الأستاذة الجامعية جيهان السادات!
يؤكد المؤلفان «للغرب» أن المسلمين ليسوا كتلة واحدة، وأنهم لا يتحدثون لغة واحدة، ولا يرتدون زيا واحدا، وأن من بين كل خمسة مسلمين يوجد عربى واحد، وأن المسلمين يعبدون نفس الإله الذى يعبده اليهود والمسيحيون وأنهم يؤمنون ويحترمون كل الأنبياء والرسل، وعلى رأسهم موسى وعيسى (وإن كانوا لا يؤمنون بربوبية عيسى).
وبعد هذا الاستعراض الطويل الذى يوضح للغرب من هم المسلمون، يبدأ الكتاب فى الإجابة على أسئلته الرئيسية.
أصل العداء
يقرر الكتاب أن المسلمين يعتقدون أن أمريكا تتدخل فى شئونهم لتفرض معتقداتها عليهم، وهنا يستشهد المؤلفان بمقالات غربية تدعم اعتقاد المسلمين، ومن ذلك ما كتبه «سام هاريس» فى صحيفة واشنطن تايمز: (آن الأوان لنعترف بأننا لسنا فى حرب مع «الإرهاب» نحن فى حرب مع الإسلام، وليس المعنى أن نقول إننا فى حرب مع جميع المسلمين، لكننا فى حرب مع رؤية الحياة الموصوفة لجميع المسلمين فى القرآن، يجب أن يقرأ كل أمريكى القرآن ويكتشف الإصرار على ذم غير المسلمين على صفحاته. إن الفكرة القائلة إن «الإسلام دين مسالم خطفه المتطرفون» هى وهم خطير).
أما «لورانس أوستر» فى صحيفة «فرانت بيج» فيقول: (ليست المشكلة فى الإسلام الراديكالى، وإنما فى الإسلام نفسه، ويجب علينا أن نسعى إلى إضعاف الإسلام واحتوائه!).
والحال كما رأينا يقول المؤلفان: «سُئل المشاركون: افرض أن واحدا من الحكومة الأمريكية سألك فيما بينك وبينه، ما هو أهم شئ يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لتحسين مستوى الحياة للناس من أمثالك فى هذه البلاد».
جاءت إجابات المشاركين على النحو التالى: خفضوا نسبة البطالة. اصلحوا البنية الاقتصادية التحتية. اوقفوا التدخل فى الشئون الداخلية للدول العربية والإسلامية. أوقفوا فرض عقائدكم وسياساتكم. احترموا حقوقنا السياسية. أوقفوا السيطرة علينا. اعطونا حريتنا الخاصة.
داء التطرف
ارتبط الإسلام فى العقلية الغربية بالتطرف، وأصبحت كلمة «الجهاد» تثير فزع الغرب، وهنا يكشف المؤلفان عن نتائج تدهش الغرب عندما يقولان: «إن القرآن يقدم توجيهات وتعليمات دقيقة فيما يتعلق بإدارة الحرب: من الذى يحارب، ومن يعفى من الحرب ،وقد كان محرما منذ الأيام الأولى للإسلام قتل غير المحاربين، وكذلك النساء والأطفال والرهبان والأحبار، الذين كانت لهم حصانة ممنوحة، إلا إذا اشتركوا فى القتال».
عن معنى الجهاد تحديدا تم سؤال عشرة آلاف مسلم فى تسع دول: «من فضلك قل لى فى كلمة واحدة أو بضع كلمات قليلة جدا ما الذى يعنيه الجهاد بالنسبة إليك».
وقد حصل المؤلفان على الإجابات الآتية: الالتزام بالعمل الشاق وتحقيق المرء أهدافه فى الحياة. الكفاح لتحقيق هدف نبيل. نشر السلام والتوافق أو التعاون ومساعدة الآخرين. الحياة تبعا لمبادئ الإسلام.
هذا هو الجهاد عند المسلمين، بل يقرر المؤلفان إن 7% فقط من المشاركين فى الاستطلاع الأضخم يظنون أن هجمات الحادى عشر من سبتمبر كانت مبررة.
ويؤكدان أنه لم يقل أحد من المشاركين فى الاستطلاع أن الجهاد يعنى قتل الغربيين، بل لم يذكر أحد من دولة إسلامية كبرى مثل إندونيسيا آية قرآنية تحض على قتل غير المسلم، لأنه ليس مسلما.
ثم يشير المؤلفان: إلى أنه قبل الغزو الأمريكى للعراق لم تكن العراق قد عرفت أبدا هجمة من إرهابى انتحارى فى تاريخها. إن الإرهاب الانتحارى لم يكن مدفوعا بالكراهية الدينية أو العرقية أو الثقافية، وإنما هو مدفوع بالمظالم المتصورة أو الحقيقية.
ديمقراطية أم حكومة دينية؟
فى طريقة للإجابة عن سؤال: «هل يريد المسلمون الديمقراطية» يحكى المؤلف جون إسبوزيتو قصة لها دلالتها يقول: «عندما كنت أنهى إجراءات الجوازات للسفر من لندن إلى أدنبرة سألنى أحد موظفى الجوازات: جون ما الذى ستعمله فى أدنبرة؟ ولما قلت له سألقى محاضرة رئيسية فى مؤتمر عن الإسلام والديمقراطية، ابتسم وقال: ستكون تلك المحاضرة وجيزة».
كلام موظف الجوازات كما يؤكد المؤلف يتوافق مع قناعات لدى الكثيرين فى الحكومة ومراكز الفكر ووسائل الإعلام، بأن المسلمين لا يتوافقون بحكم طبيعتهم مع الديمقراطية!
تلك الرؤية «العنصرية» ينسفها المؤلفان نسفا عندما يؤكدان من واقع الاستطلاع أن المسلمين فى دول بوركينا فاسو ومصر وإندونيسيا قالوا: «لو كنا نصدر دستورا لبلد فلابد وأن يتضمن: السماح لكل المواطنين بالتعبير عن آرائهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة».
ويؤكد المؤلفان أن المشاركين فى الاستفتاء يعترفون ويعجبون بجوانب عديدة من الديمقراطية الغربية، إلا أنهم لا يحبذون النماذج الديمقراطية الغربية بالجملة، لأن كثيرين منهم يريدون نموذجهم الديمقراطى الخاص، الذى يشمل الشريعة الإسلامية
ويقول المؤلفان: إن من أدعى الأمور إلى الدهشة غياب الفوارق بين الذكور والإناث فى دعمهم للشريعة بوصفها المصدر الوحيد للتشريع، ففى الأردن مثلا يريد 45% من الرجال و55% من النساء أن تكون الشريعة مصدرا وحيدا للتشريع، وفى مصر تبلغ النسبة 70% من الرجال و62% من النساء وفى إيران 12% من الرجال و14 % من النساء وفى إندونيسيا 14% من الرجال والنسبة ذاتها من النساء. وهنا يشير المؤلفان إلى أن استفتاء لجالوب أجرى فى أمريكا عام 2006 دل على أن أغلبية الأمريكان يريدون الإنجيل مصدرا للتشريع وهناك 42% من الأمريكان يريدون من الزعماء الدينيين لعب دور مباشر فى صياغة الدستور ويريد 55% ألا يلعبوا أى دور على الإطلاق، وهذه الأرقام توشك أن تكون متماثلة مع تلك الأرقام فى إيران.
ولكن لأن الغرب يؤمن أن الشريعة هى حكم رجال الدين نرى رامسفيلد عندما كان وزيرا للدفاع يقول حول دور الشريعة فى الدستور العراقى: إن أمريكا لن تسمح للعراق أن يصبح دولة ثيوقراطية مثل إيران».
وخلاصة ما يصل إليه المؤلفان فى هذه النقطة هو: كثيرون من المسلمين يقدرون عددا من القيم الديمقراطية. لا يرى المسلمون تعارضا بصفة عامة بين الديمقراطية والمبادئ الإسلامية. لا يريد المسلمون على وجه العموم الثيو قراطية ولا الديمقراطية العلمانية ويفضلون نموذجا ثالثا تتعايش فيه المبادئ الدينية والقيم الديمقراطية. يدعم الرجال والنساء دورا للشريعة باعتبارها مصدرا للتشريع، ولا يريد أغلبهم فى نفس الوقت أن يتولى الزعماء الدينيون مسئولية مباشرة فى صياغة التشريع.
حرب تحرير النساء
ما الذى تريده النساء المسلمات؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال يؤكد المؤلفان أن الغرب يرى أن الإسلام يستعبد المرأة، وتدعم الصحافة هذا التصور فهى تقدم المسلمات بوصفهن ساكتات خاضعات هابطات إلى الدور المنزلى، ولذا فليس غريبا أن تقول المسلمة فى الفيلم الأمريكى «زخم الأطفال» لسيدة الأعمال: «سأعلم ابنتك الاحترام.. الحق للرجل، أنا أتحدث فقط عندما يخاطبنى أحد، ولا أحتاج إلى سرير، فأنا أفضل النوم على الأرض»!.
إن رؤية الغرب لقمع الإسلام للنساء كان من المبررات المستخدمة لدعم غزو العراق وأفغانستان حتى إن لورا بوش قالت: «إن الحرب ضد الإرهاب هى حرب من أجل حقوق النساء وكرامتهن أيضا».
وبعيدا عن حرب زوجة بوش يذكر المؤلفان قصة «فيدا صمدازاى» الفتاة الأفغانية التى شاركت فى مسابقة ملكة جمال الآنسات التى أقيمت فى مانيلا، فعند ظهورها مرتدية «البكينى» قالت وزيرة الشئون النسائية فى أفغانستان: «إن فيدا لا تمثل جهاد الأفغانيات فى سبيل الحرية، إن ظهورها العارى ليس هو حرية النساء، إنه تسلية للرجال، إن قيمة المرأة الأفغانية لا يجب قياسها بجمالها أو جسدها، وإنما بمعرفتها ومهارتها».
من ناحيتها قالت فيدا: «لم أشعر بالارتياح عند ارتداء لباس البحر، لأنه لا يمثل ثقافتى».
أما المراقبون الغربيون فقد وصفوا ارتداء فيدا للبكينى بأنه: «علامة على تقدم النساء فى أفغانستان» وأعلن القضاة أنهم يقدمون الجائزة لفيدا لأنها رمز اكتشاف جديد للشجاعة والثقة وهى تمثل انتصارا لحقوق النساء ومختلف أنواع الكفاح الاجتماعى والشخصى والدينى!
وقد خلص المؤلفان اعتمادا على حصيلة الاستفتاء إلى أن المرأة المسلمة تعتز بدينها وحقوقها. بينما تعجب النساء المسلمات بجوانب فى الغرب، فإنهن لا يدعمن تبنى القيم الغربية بالجملة. تعتقد أغلب النساء المسلمات أن أشد حاجاتهن إلحاحا ليست هى المسائل المتعلقة بفوارق الجنسين، وإنما هى زيادة التنمية السياسية والاقتصادية. إن المناصرة الغربية للشئون النسائية غالبا ما يُنظر إليها بعين الريبة، لأن الدعوات النسائية تم استخدامها لتبرير الاستعمار تاريخيا.
http://www.shorouknews.com/ContentData.aspx?id=48334

تعليقات